من تصميم اخوكم حمزة عمراوي

مرحبا بكم في مدونة الثانوية التاهيلية العيون الجديدة

مرحبا بكم في مدونة الثانوية التاهيلية العيون الجديدة
مرحبا بكم في مدونة الثانوية التاهيلية العيون الجديدة من تصميم حمزة عمراوي

الأحد، 25 سبتمبر، 2011

الفلسفة السنة اولى باكلوريا

الفلسفة السنة اولى باكلوريا
تقديم:
تختلف مدلولات الوعي من مجال إلى آخر، ومن فيلسوف إلى آخر، فمنهم من يقرنه باليقظة في مقابل الغيبوبة أو النوم. ومنهم من يقرنه بالشعور فيشير إلى جميع العمليات السيكولوجية الشعورية. ويمكن أن نجمل الدلالة العامة للوعي فيما يلي: إنه ممارسة نشاط معين ( فكري، تخيلي، يدوي...الخ)، وإدراك تلك الممارسة. و يمكن تصنيف الوعي إلى أربعة أصناف وهي:
1) الوعي العفوي التلقائي: إنه ذلك النوع من الوعي الذي يكون أساس قيامنا بنشاط معين، دون أن يتطلب منا مجهودا ذهنيا كبيرا، بحيث لا يمنعنا من مزاولة أي نشاط آخر.
2) الوعي التأملي: إنه وعي يتطلب حضورا ذهنيا قويا مرتكزا في ذلك على قدرات عقلية كلية كالذكاء أو الإدراك أو الذاكرة.
3) الوعي الحدسي: وهو الوعي المباشر و الفجائي الذي يجعلنا ندرك الأشياء أو العلاقات، أو المعرفة، دون أن نكون قادرين على الإدلاء بدليل أو استدلال.
4) الوعي المعياري الأخلاقي: وهو الذي يسمح لنا بإصدار أحكام قيمة على الأشياء والسلوكيات بحيث نرفضهما أو نقبلهما بناءا على قناعات أخلاقية، وغالبا ما يرتبط هذا الوعي بمدى شعورنا بالمسؤولية اتجاه أنفسنا و اتجاه الآخرين.
و على هذا الأساس فالوعي هو إدراكنا للواقع و الأشياء، إذ بدونه يستحيل معرفة أي شيء. لذلك يمكن وصف الوعي بأنه « الحدس الحاصل للفكر بخصوص حالاته و أفعاله». فهو بمثابة "النور" الذي يكشف للذات عن بواطنها.
أما اللاوعي فهو يدل إلى حد ما على مقابل الوعي. و هنا يمكن الحديث عن اللاشعور باعتبار السلوك اللاواعي أو الذي يصبح "واقعة نفسية".
انطلاقا من هذا التصنيف الدلالي لمفهوم الوعي نطرح التساؤلات التالية:
ما هو الوعي؟ ما شكله؟ هل هو وعي بسيط و مباشر؟ أم غير ذلك؟ ما مضمونه الأول؟ ماذا أدرك في فعل الوعي على وجه الدقة و التحديد؟ ثم ما علاقة الوعي باللاوعي؟ و هل يكفي أن نكون على وعي لمعرفة أنفسنا؟ هل الوعي هو أساس حياتنا الواقعية؟ أو الوهم هو الأصل؟.
مشكلة الوعي:
موقف راسل:
حلل برتراند راسل عن الوعي وربطه بالمدركات الحسية أو الخبرات الحسية حيث أكد على ضرورة عدم فصله (أي الوعي) عن مثيرات العالم الخارجي فهو عبارة عن ردود أفعال اتجاه وسطه. هذا يعني أن الوعي طاقة تميز الإنسان عن الجمادات. و من ثم فإن راسل أكد على تلازم الوعي مع حالة اليقظة، و ليس مع حالة النوم أي أنه غير مستمر في الزمن. وأكد كذلك على ضرورة الانتباه إلى عامل اللغة لأنها، في نظره، جهاز و نظام غير منسق. وهنا نجده يميز بين نوعين من اللغة : لغة مرشدة تمكن من فهم طبيعة العالم الذي نتحدث عنه، ولغة مظللة وخداعة للتفكير. ومن ثمة فإن كثيرا من الفلاسفة الذين اعتمدوا عليها ظلوا وأظلوا.
إن الوعي بالذات عند راسل يعني أمرين هما : دخول هذا الإنسان في علاقة مع العالم الخارجي، واكتشافه لذاته ولأفكاره و لعواطفه. أي أن هناك امتحانا للإنسان بإدراك وجوده الذاتي. وهنا يكمن مفهوم الوعي عند راسل و يتجلى. فعندما ندرك معطيات العالم الخارجي فإننا نكون، حسب راسل، فقط في مجال ردود الفعل اتجاه العالم، ونشترك في هذه الخاصية مع الجمادات. هذا يدل على أن الوعي لا يتحدد عند مستوى إدراك العالم الخارجي بل هو فقط رد فعل على النحو الذي تِؤذيه الحجارة و الجمادات عموما.
يرى راسل أنه يستحيل إدراك المادة إدراكا مباشرا، و أن لها وجودا واقعيا ملموسا. و يؤكد راسل على المعرفة القائمة على التجربة وعلى الحواس وعلى إدراك الكليات إدراكا فوريا ومباشرا. وهو في الوقت نفسه يؤكد على التمييز بين الذات الواعية و الموضوع. وعلى سبيل المثال لا الحصر إننا لا ندرك مدينة الرباط و مراكش إدراكا جزئيا ، بل إننا ندركهما في إطار العلاقة الخارجية القائمة بينهما، و هذه العلاقة ليست من طبيعة نفسية صادرة عن الذات العارفة، ولكنها مستقلة عنها، تنشأ بطبيعتها في معزل عن فعل المعرفة في حد ذاتها.
مما سبق يتبين لنا أن الجزء الأساسي من مفهوم الوعي مرتبط بمدى إدراكنا للوجود الذاتي. و تحصل هذه العملية بواسطة الاستبطان، مما يدل على أن الاستبطان منهج يسمح و يمكن من ولوج العالم الداخلي في الإنسان وفهم علاقة الذات الواعية بمحيطها الخارجي، أي أنه في هذه الحالة لا يتعلق الأمر بشيء من بين أشياء العالم و الجمادات بل بذات لها طبيعتها الخاصة بها. و من ثمة فالشرط الأساسي لقيام الوعي و كل معرفة حسب راسل هو إدراك الوجود الذاتي للإنسان عن طريق الاستبطان، لأن الوعي ميزة خاصة بالإنسان، وليست فقط مجرد رد فعل اتجاه العالم الخارجي أو أنه فقط إدراك حسي له .
موقف برجسون
إذا كان راسل يجمع بين لفظ الوعي وحالة اليقظة متجاهلا حالة النوم، فإن برجسون يتجاوز هذا الطرح ليؤكد على صيرورة الوعي في الزمن، ليشير به إلى جميع العمليات السيكولوجية الشعورية. فالوعي أو الفكر عند برجسون ذو طبيعة مجردة أي أنه غير ملموس ويرفض أن يقترن بأي طابع نسبي أو ذاتي، حيث أنه دائم الحضور في حياة كل إنسان، لا يقبل القسمة إلى لحظات شعورية مرتبة بشيء ما، أو موقف معين، بحيث تتدفق و تنساب عبر الزمن حتى يصعب التمييز بين لحظاته. إنه إدراك الذات وللأشياء في ديمومتها و استمراريتها. أما تعريف الوعي بشكل واضح ونهائي فإنه يطرح صعوبة كبرى أدت ببرجسون إلى ربط الوعي بالذاكرة التي تحفظ ماضي الإنسان في الحاضر. إن الوعي أيضا قدرة على تجاوز الحاضر عقليا وتمثل صورة المستقبل.فالإنسان الذي لا ذاكرة لديه لاوعي له، لذلك فشرط وجود الوعي هو وجود الذاكرة و استقراره بها، ليصبح انفتاحا على الحاضر و الماضي و المستقبل. فعندما نفكر في أي لحظة معينة فإننا نجد هذا الفكر يهتم بالحاضر و بما هو كائن، لكن من أجل تجاوز ما سوف يكون في المستقبل و هذا يعني أنه لا يوجد وعي عند برجسون دون مراعاة حياة المستقبل. فالمستقبل هو الذي يجعل الفكر يتقدم باستمرار دون انقطاع في الزمن و يجره إليه. لفهم طرح برجسون بصدد تعريف مفهوم الوعي نستحضر أنه ينتمي إلى فلسفة الحياة والصيرورة و الحركة، و نؤكد على مجالين هامين في فلسفته عموما : مجال المادة المتميزة الصلبة، و مجال الحياة والوعي المتواصل، وهذا يقع في نطاق الحدس فعن طريقه يمكن إثبات الحقيقة متجسدة في الصيرورة و ليست مجرد الحياة والوعي.
موقف ابن رشد
أما إبن رشد فقد تناول مفهوم الوعي في علاقته بالعالم الخارجي وطرح السؤال: هل الحس شرط لقيام الوعي بموضوعات العالم؟ يرى ابن رشد على نحو معلمه أرسطو أن الإدراك الحسي شرط أولي و أساسي لقيام كل معرفة ووعي بموضوعات العالم الخارجي، على خلاف راسل الذي يعتمد منهج الاستبطان بدل منهج الاستقراء في إدراك العالم الداخلي. و لكن هل الإدراك الحسي بالمعنى الذي تقدم به ابن رشد هو الشرط الكافي و الأولى لقيام كل معرفة و كل وعي بموضوعات العالم الخارجي؟.
موقف ميرلوبونتيي
للإجابة على هذا التساؤل، ينطلق موريس ميرلوبونتيي من فينومينولوجيا الإدراك الحسي ليصل إلى فينومينولوجيا الوعي و الخبرة، لأجل الكشف عن الطابع المفتوح للخبرة البشرية بصفة عامة. و يقصد بالإدراك الحسي تلك العودة إلى الأشياء و الرجوع إلى المعرفة الأولية عن كل علم من أجل الوصف وليس من أجل التركيب. و يتساءل : هل تعني العالم الخارجي؟ ويقول إن العالم ليس بمثابة الموضوع الذي يمثل أمام الذات الواعية، إن هذه الذات ليست لها القدرة على تملكه. و لكنه الوسط الطبيعي أو المجال الأولي الذي تتحقق فيه إدراكاتنا الحسية لعالم و جل أفكارنا. إن الوعي الإنساني حسب ميرلوبونتي يدخل في علاقة مشاركة مع العالم الخارجي، فيه تتحقق الإدراكات الحسية التي يمكن اعتبارها شرط أساسي لقيام الوعي بهذا العالم.
الــــوعـي واللاوعـي:
  • موقف مدرسة التحليل النفسي:
إن اللاشعور، أو اللاوعي، حسب مدرسة التحليل النفسي، هو أهم منطقة سيكولوجية نستطيع بموجبها أن نفهم سلوكاتنا سواء منها السوية أو الشاذة . ومن هذا المنطلق نستطيع أن نقول بأن الشخصية في تصور فرويد بمثابة " جبل الجليد " :أي أن ما هو خفي أضخم بكثير مما يظهر . فكيف يتشكل اللاشعور ؟
يعتقد فرويد أن بناء شخصيتنا يتكون من ثلاثة مكونات ، العلاقة فيما بينها هي الكفيلة بتفسير حياتنا النفسية . وهذه المكونات هي:
· الهو : وهو نسق سيكولوجي يتألف من المكونات الغريزية والدوافع والانفعالات الموروثة . ويتمركز الهو حول مبدأ اللذة أو ما يصطلح فرويد على تسميته بنزعة الليبيدو. لأن همه الأساسي هو الحصول على اللذة ودفع الألم، حيث لا يعرف معنى التأجيل. ومن خصائص الهو أنه بعيد عن المنطق والعقل لكونه يتصف بالتهور والاندفاع، ولا يتمثل السيرورات المنطقية والأخلاقية … إلخ.
· الأنا: وهو الجزء من الهو الذي تلاءم مع الواقع . و هو النظام السيكولوجي الذي يتصف - على عكس الهو - بالتعقل والرزانة والحكمة. ومن ثمة، فإنه يتمركز حول مبدأ الواقع ، وهمه الأساسي هو تلبية رغبات الهو بشكل يتلاءم مع الواقع ولا يثير غضب الأنا الأعلى .
· الأنا الأعلى : وهو النظام النفسي الذي يمثل جميع القيم الأخلاقية والعادات الاجتماعية.ويتشكل الأنا الأعلى بفعل الأوامر والنواهي ( التربية ) ؛ ومنه نستوحي ما ينبغي وما لا ينبغي القيام به . وهو ما يماثل في حياتنا النفسية مفهوم المثالية الأخلاقية، وما يقابل في الاصطلاح الأخلاقي العادي مفهوم الضمير .
إن الأنا إذن يوجد في بؤرة الصراع بين ضغط الهو، ورغبات الواقع، ومتطلبات الأنا الأعلى . ومن هذا المنطلق نفهم لماذا تقرن الفرويدية الشخصية السوية بقوة الأنا.. فالرغبات التي لن يستطيع الأنا تلبيتها فإنه يعمل على كبحها ثم كبتها في اللاشعور. هكذا يتشكل اللاشعور ويتضخم. ولكي يتشكل الأنا بصورة جيدة لابد من إحاطة الطفل بتربية واعية وتفهم واضح لمراحل النمو الجنسي لديه ( المرحلة الفمية ، المرحلة الشرجية، المرحلة القضيبية، مرحلة الكمون، المرحلة التناسلية )، والعمل على كبت العقدة الأوديبية بطريقة سليمة. هكذا نستطيع القول بأن الأنا يوجد كذلك تحت ضغط مكبوتات اللاشعور لأنها تظل يقظة، وتتحين الفرص التي تضعف فيها رقابة الأنا لتخرج إلى السطح. والمرض النفسي (اضطرابات الشخصية) عبارة عن تدفق مكبوتات اللاشعور، وتصريف مفضوح لرغبات الهو... وحتى لاتصل الشخصية إلى هذه المرحلة الحرجة، فإنها تلجأ (للتخفيف من حدة التوتر النفسي) إلى ميكانيزمات دفاعية (مثلالكبت، والتبرير، والتقمص، والإسقاط، والنكوص، والإعلاء...الخ) . كما أن التحليل النفسي يعتبر في حد ذاته منهجا علاجيا، وإعادة تربيةويعتمد التحليل النفسي، من أجل سبر أغوار اللاشعور، على عدة طرق، أهمها : التنويم المغناطيسي، والتداعي الحر، وتحليل وتأويل تجليات اللاشعور (الأحلام، فلتات اللسان، زلات الأقلام، النسيان ...الخ)
إن نظرية فرويد في اللاّوعي تميز بين فِعْلِيَّةِ السّلوك، وحقيقة السّلوك. ففعليّة السّلوك تعني الأفعال والأعمال الّتي يقوم بها الفرد، بما هي أفعال وأعمال خامّ وظاهرة. أمّا المُرَادُ بحقيقة السّلوك، فهو المدلول أو المعنى الحقيقيّ له، أي العلّة المتخفّية وغير الظّاهرة فيه. فأنا، مثلا، قد أقوم بعمل ما، كأن أسرق كتابا من على رفّ المكتبة : وهذا الفعل فعلي، من دون شكّ، وسلوكي، إلاّ أنّ حقيقته وما قد يُفَسِّرُ مثل ذلك العملالذي قمت به ليست فحسب تلك الظّاهرة بل شيء آخر، أحقّ وأكثر فعليّة، وهو "الهُوَ". فأنا هو الّذي، بلا شكّ قد سرق الكتاب لكن فعل السّرقة ذاك، إنّما هو في حقيقته صورة متفرّعة من فعل معاقبة الذّات. فنظريّة فرويد ترى بأنّ " الذّات ليست وعيا فقط "، وإنّما هي " وعي وهُوَ "، أي أنها وعيان اثنان (وعي أول ووعي آخر) ؛ الوعي الأوّل يكون غير واع بالوعي الآخر، مع انّه هو الأصل فيه !!؟
موقف هوسرل
تقوم نظرية الوعي عند هوسرل على الابتعاد عن التجريبية والروح السيكولوجية التي تفسر الأحداث التاريخية، وتتوقف عند العمليات العقلية، لتكشف مركبات الوعي ذاته، والظواهر نفسها. يرى هوسرل أن المعنى يسبق اللغة وهي نشاط ثانوي يسمي المعاني التي بحوزتنا. وهكذا كانت نظرة هوسرل للوعي ماهوية تعتبر أن العالم ليس سوى شيء يمكن إذابته وتحويله إلى صورة ذهنية. تخيل هوسرل موقعاً متسيداً للذات المبهمة، التي تطبع صورتها على العالم. ورجح كفة الذات على حضور العالم. و قد وصفت هذه النظرية، من طرف خصوم هوسرل، بكونها شكلا من أشكال الوعي البورجوازي.
موقف لاكان
إن الهيئات النفسية التي يضعها فرويد: الأنا الأعلى، والأنا والهو تجد نفسها داخلة في علاقة تجعل التشبيه المكاني المتضمن فيها يختفي. فالأنا الأعلى يصبح هو الرمزي Le symbolique، مجال النظام والقانون، ومكان الخطاب الأبوي (وبذلك ينخرط التحليل النفسي في الانتروبولوجيا: إذ أن الرمزي هو نظام الثقافة بالمعنى الاتنولوجي)؛ والأنا يصبح هو المتخيل L’imaginaire، مكان الوهم، والحقيقة، والتغير، والملاحق التجميلية للذات التي هي ملاحق متحركة وهشة. والهو ليس له مكان إلا مجازا فهو المكان الذي ليس له مكان وهو العلة الغائبة للبنية، ويطلق عليه لاكان اسم الواقع Le réel؛ وإنتاجه يقع على مستوى موضوعات الرغبة. وموضوعات الرغبة، بالنسبة لفرويد، موضوعات متعددة، لكنها تابعة لعلاقة أساسية تحكم كل علاقة مع أي موضوع يدعوها لاكان العلاقة بالموضوعويذهب لاكان بعيدا في إضفاء صبغة نسقية على الموضوع: فهو يطلق اسم "الموضوع أ الصغيرة" على الموضوع النوعي العام لكل موضوعات الرغبة: الجزئي والمنفصل، والمهمل؛ وهذا الموضوع هو الأثر والعلاقة الدالة على الغربة في قلب الذات، وهو علامة على قطيعة لا رجعية فيها.
الإيديولوجيا والوهم
ظهر لفظ الإيديولوجيا لأول مرة بفرنسا بوصفها علما للأفكار، و يرجع الفضل في نحث المصطلح إلى دستوت دي تراسي إذ ارتبط به إبان الثورة الفرنسية لسنة 1789 ، حيث أعطى لهذا المفهوم مدلولين اثنين و هما:
مدلول فلسفي: اعتبر فيه الإيديولوجيا علما أو شبه علم يقوم على الملاحظة والتجربة كنقيض لتفسير اللاهوت للعالم الذي يعتبره دو تراسي تفسيرا أوليا و طفوليا بينما الإيديولوجيا كما يتصورها تمثل التفكير الراشد و الناضج لارتكازها على الملاحظة والتجربة.
مدلول إبستمولوجي: باعتبارها « العلم الذي يدرس الأفكار بالمعنى الواسع لكلمة أفكار، أي مجموع وقائع الوعي من حيث صفاتها أو قوانينها وعلاقاتها بالعلامات التي تمثلها لاسيما أصلها»، هكذا يبدو أن دو تراسي حاول أن يعطي للإيديولوجيا بعدا علميا باعتبارها نسقا من الأفكار والتصورات البعيدة عن التمثلات اللاهوتية والميتافيزيقية للعالم، فأصبحت الإيديولوجيا بهذا المعنى ضد الأفكار والأطروحات المحافظة، خاصة وأنها ارتبطت بالثورة الفرنسية وما أحدثته من تغير في بناء المجتمع الفرنسي، و انعكاسات هذه الثورة على صعيد الأمم الأوروبية.
تأسيسا على الدلالات السابقة، و ضدا على مفاهيمها نحث نابليون مدلولا جديدا للإيديولوجيا حيث اعتبرها أفكار المشاغبين الذين كانوا ضد حكمه ومن ثمة أخذت معنى انتقاصيا لدلالتها مع دو تراسي إذ أصبح نابليون ينعت خصومه بالإيديولوجيين وذلك في إطار الصراع السياسي مع معارضيه. وفي هذا الصراع و السجال ظهر ما سمي "سجال المصطلحات" أو "الإيديوفوبيا" أي الخوف الشديد من الأفكار، فالأفكار تعبر عن المصالح و المطامح أما لالاند فيعرف الإيديولوجيا بأنها «العلم الذي يتخذ موضعا له دراسة الأفكار، أي العلم الذي يبحث في صفات الأفكار و قوانينها و خاصة أصولها».
تحديدات بول ريكور لمفهوم الإيديولوجيا
يرى بول ريكور أن الإيديولوجيا ترتبط بثلاث استعمالات. يهم الاستعمال الأول معنى الاختلال والتشويه للواقع، و هو المعنى الذي يشيع بين عامة الناس و الذي كان مصدره الماركسية حيث تسند للإيديولوجيا معنى يجعل من الممارسة أساسا لها و أن الإيديولوجيا مصدر التشويه.أما الاستعمال الثاني فربطه بول ريكور بالشكل الذي تظهر فيه الإيديولوجيا كظاهرة تشويهية و تزييفية بل يجعلها بول ريكور في هذه الحالة تبريرية أي أنها تحاول أن تتكلم بلسان الحاكم المسيطر و تشيد الشمولية و حين يبرز العنف داخلها تتحول الايديولوجيا إلى أداة قهر أكثر من المظاهر العنيفة التي تخلفها طاحونة الصراع الطبقي. أما الاستعمال الثالث فيربطه بول ريكور بما أسماه بالإدماج أي أن الجماعة تعمل على استدعاء ذكرياتها الأساسية باعتبارها أحداث أولية مؤسسة للهوية المحددة لهذه الجماعة، فهذا الاستعمال يساهم في تكوين عنصر جديد داخل بنية الذاكرة الجماعية.
إن بول ريكور يهدف من وراء تقسيماته هذه للإيديولوجية إلى تأكيد نقطة محورية لا تنفصل عن عملية الإيديولوجيا نفسها وهي حضور الوهم لتبرير وصفي لاسترداد الذكريات لتحقيق الإدماج.
الإيديولوجيا عند الماركسيين
إن الإنسان عند الماركسيين كائن اجتماعي في جوهره، و بدون المجتمع لا يستطيع الإنسان العيش، إذ لا يمكنه أن ينتج الشروط الضرورية للحياة اللازمة لبقائه إلا في إطار المجتمع،و لكن أدوات ذلك الإنتاج تعود لكي تحدد أول ما تحدد العلاقات الإنسانية. ويرى ماركس استحالة فصل وعي الناس عن وجودهم الاجتماعي و يعطي للحياة الاجتماعية أهمية أساسية تحديد الوعي بل يجعلها هي التي تحدد الوعي.
إن الايديولوجيا، في نظر ماركس و رفيقه انجلز،«ليست سوى التعبير الفكري عن العلاقات السائدة في المجتمع تلك العلاقات التي تجعل من طبقة ما الطبقة السائدة على الطبقات الأخرى». بهذا المعنى فالايديولوجيا مجموع الأفكار الذي تسود المجتمع الطبقي و الذي ترسم بفعل الشروط المادية والروحية القائمة على صورة ناقصة و مشوهة للعلاقات السائدة فيه. يقول انجلز: «الإيديولوجيا هي نشاط فكري ذلك الذي يدعى مفكر واعي في حين أنه إنما يصدر عن وعي زائف مغلوط ذلك لأن القوى الحقيقية المحركة له تبقى مجهولة لديه، وإلا لما كان نشاطه الفكري ذاك إيديولوجيا». إذن هي البناء الفكري النظري القائم على وعي مزيف لكونه يجهل مكوناته الموضوعية.
وقد وسع كل من ماركس و أنجلز فيما بعد مفهوم الإيديولوجيا فجعلاه البنية الفوقية برمتها لعصر من العصور التاريخية أي مجموع النتاج الفكري، من أدب و فن وفلسفة و دين و أخلاق و تشريع بحيث يسود مجتمعا من المجتمعات في عصر من العصور التاريخية.
أما لنين فيميز بين الإيديولوجيا البرجوازية والبرجوازية الاشتراكية، الأولى هي النسق الفكري الذي تقيمه البرجوازية لتخدع به نفسها وتخدع غيرها من الطبقات المضطهدة، والثانية هي المذهب الذي يقود كفاح الطبقة العاملة و تنير لها الطريق و الذي يأتي من الممارسة النظرية ، من المثقفون الثوريون الذين ربطوا مصيرهم بنضال و كفاح الطبقة العاملة.
بينما يميز مانهايم بين الإيديولوجيا الجزئية أو الخاصة، و الإيديولوجيا الكلية أو العامة فالأولى تعني مجموع الأفكار التي يعتنقها الشخص و التي يرى من خلالها حضوره مجرد غطاء شعوري لتحقيق الموقف الذي يصدر عنه، و الذي لا يعبر بصراحة لأنها تعارض مصالحه، فهي بهذا المعنى تبريرية تعمل على صرف النظر عن فحواها. أما الثانية فهي مجموع التصورات التي تعتنقها جماعة ما تبريرا لموقفها داخل المجتمع.
تصور نيتشه للأيديولوجيا
يبرز نيتشه الطابع الأكثر سطحية و سوءا للوعي، بمعنى أن الوعي لدى الإنسان رغم تطوره في المستويات فإنه لا يدرك معنى وعيه لأفعاله وأفكاره ومشاعره، بل حتى حركاته فهو دائما يفعل نتيجة لإرادة قاهرة جاءت في صفة أمر (يجب عليك)، و هو هنا يؤكد مقولة العدمية التي تسيطر على الإنسان، فهو لا يعرف معنى الفكر الذي أصبح وعيا فالوعي عند نيتشه لا يعدو أن يكون أكثر من أجزاء الفكر السطحية و أكثرها سوءا.
إن بالإمكان، حسب نيتشه، أن يعيش الإنسان حياته في استقلال عن الوعي تماما. لما كانت الحياة البشرية معرضة للهلاك بوصفها حياة يؤطرها الصراع من أجل البقاء اضطر الإنسان أن يعبر عن نفسه في كلمات، ومن ثمة يكون نمو اللغة ونمو الوعي متلازمين. هكذا اختلق الإنسان لنفسه أوهاما أصبحت تؤطر حياته وأضفى عليها صبغة حقائق تقنن واقعه (كالواجب والمسؤولية، والحرية …إلخ). فالحقائق في العمق ليست إلا أوهاما منسية.

الفلسفة السنة اولى باكلوريا
الرغبة
تقديم:
تحيل كلمة رغبة في لسان العرب لابن منظور إلى المعاني التالية:
- الرغبة: الحرص على الشيء والطمع فيه والرغبة (...) السؤال والطمع (...).
- رغب في الشيء رغبا ورغبة ... أراده (...).
- رغب عن الشيء، تركه متعمدا، وزهد فيه، لم يرده (...) يقال رغبت بفلان عن هذا الأمر إذا كرهته له[1] ...
وفي معجم روبير الفرنسي، تشير الرغبة إلى الميل في تحصيل شيء ما بغية تحقيق اللذة (...) [يقال] عبر أو أبدى رغبة أي مرادا، وأمنية (...) [يقال كذلك] الرغبة في النجاح بمعنى الطموح والإرادة، والرغبة في المعرفة بمعنى الفضول.
إن تعدد هذه المفاهيم الدالة على الرغبة يؤكد التباس المفهوم وتشعب معانيه، أما الدلالة الفلسفية عند لالاند في معجمه الفلسفي فمضمونها أن الرغبة ميل عفوي واع نحو غاية معلومة أو متخيلة (..) وضدها النفور aversion.
يبدو من تعريف لالاند أنه قارن الرغبة بالوعي، وبالغاية التي تكون واضحة أو مضمرة، وأورد ضدها وهو النفور فالرغبة في أشياء لا تخلو من النفور من أشياء أخرى.
يلتبس مفهوم الرغبة Désir مع مفاهيم أخرى، مثل مفهوم الحاجة Besoin، ومفهوم الإرادة Volonté، فما الفرق بينهم؟ وهل الرغبة تحقق السعادة؟
الرغبة والحاجة:
تحيل الحاجة على كل ما هو ضروري لبقاء الذات من مأكل وملبس ومسكن وغيره، أما الرغبة فتحيل على نزوع وميل الذات إلى كل ما يجلب لها اللذة والاستمتاع سواء أكانت هذه الذات تحتاجه عمليا وواقعيا أم لا، إذا كانت الحاجة تحيل إلى ما هو ضروري لبقاء الإنسان، فهل يمكن الاكتفاء بها فقط؟
إن البقاء الذي يضمنه تحقيق الحاجات الأساسية ليس إلا الحد الأدنى من الوجود والإنسان في هذا الجانب (البقاء) لا يتميز كثيرا عن باقي الكائنات الحية، بل إن هناك عددا من الكائنات الحية التي طورت استراتيجيات للبقاء تتفوق كثيرا عن تلك التي طورها الإنسان، فالسلاحف مثلا عمرت لملايين السنين ولا يبدو وافي الأفق القريب أنها ستنقرض!
إن الإنسان يشترك مع باقي الحيوانات في الاعتماد على إشباع الحاجات الأساسية (البيولوجية أساسا) لضمان البقاء، وإن كان يمتاز عنها بتعقد وتعدد حاجاته ما بين اجتماعية و"نفسية" وبيولوجية، فإن هذا الامتياز هو امتياز نوع، فكثير من الكائنات تميل إلى التجمع في شكل قطعان، ويحمي بعضها بعضا ويعتمد بعضها على بعض، بل إن منها من تملك تقسيما للعمل ( النحل، النمل) وهي في هذا تشترك مع الإنسان في نوع حاجاته لكن درجة تعقد الحاجات الإنسانية أكبر بكثير.
إذا سلمنا بأن الفروق بين الحاجات الإنسانية والحاجات الحيوانية هي فروق درجة لا فروق نوع، فإنه لا يمكننا التسليم بهذا فيما يخص الرغبات، فالرغبة هي خاصية إنسانية محضة.
الرغبة لا تحمل صفة الضرورة الحيوية، ولا يعتمد بقاء الإنسان على إشباعها بل إن إشباع بعضها قد يهدد هذا البقاء نفسه، لكن الإنسان يسعى جاهدا من أجل إشباعها، وهنا يكمن تميز الرغبة الإنسانية عن الحاجة الحيوانية، فالإنسان يرغب في أكثر مما يحتاج، وحياته هي مغامرة كبرى لتخطي سياج الضروريات فقط (عيش الكفاف) إلى فضاء الرغبات (عيش الكماليات)، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان! إن الحاجة هي ضرورة بقاء، أما الرغبة –مهما كان حكمنا عليها- فهي ضرورة تميز، وكلاهما ضروري لبقاء الإنسان المبدع.
اشتراك الحاجة والرغبة في صفة الضرورة لا يعني تطابقهما، فالرغبة تختلف في كثير من الصفات والخصائص عن الحاجة:
· لا توجد دائما علاقة تلازم بين الحاجة والرغبة، فكثير من الحاجات تكون ملحة لكننا لا نرغب في تحقيقها (الحاجة للرياضة تكون ملحة عند البعض لكنه لا يرغب في مزاولتها)، وبالمقابل هناك الكثير من الرغبات التي تلح لإشباعها لكننا لا نحتاجها واقعيا (الرغبة في اقتناء ثياب جديدة رغم امتلاك ما يكفي منها).
· الحاجة لها موضوع واحد شعوري ومحدد (الحاجة للأكل، الحاجة للأمن)، أما الرغبة فمواضيعها غير محددة بدقة، وغالبا ما تكون لا شعورية، وذلك لأن الموضوع المعلن للرغبة لا يمثل دائما الموضوع الحقيقي بل مجرد تعويض عنه (رغبة المراهق في دراجة فخمة قد لا تكون إلا تعويضا لرغبته بالظهور بمظهر الرجولة).
· حاجات الإنسان محدودة وثابتة أما رغباته فغير محدودة وغير ثابتة، فالحاجات التي تضمن وضمنت بقاء الإنسان ظلت هي هي، أما رغبات الإنسان فغير محدودة وذلك أنه كلما تحققت رغبة إلا وتم السعي وراء رغبة أخرى مما يجعلها غير قابلة للإشباع المطلق (= الموت!).
· يمكن إلغاء بعض الرغبات وتغيرها مع التقدم في السن وتغير المواقف واغتناء التجارب...، لكن لا يمكن إلغاء الحاجات الأساسية دون تعريض الوجود المادي للفرد للخطر.
· إشباع بعض الرغبات قد يكون على حساب حاجات أخرى، وتحقيق حاجات معينة قد يخدم الإنسان من إشباع بعض رغباته (الرغبة في صوم التطوع يلغي (أو يؤجل) الحاجة للأكل، الحاجة للأمن وحفظ الذات .... الإنسان من المغامرة).
· تحقيق الحاجات يضمن الحياة والبقاء، لكن تحقيق بعض الرغبات قد يهدد هذه الحياة نفسها (الرغبة في تسلق الجبال الوعرة).
· الحاجات تكون في أغلبها مشتركة بين أفراد النوع الواحد (أو المجتمع الواحد)، أما الرغبات فتكون فردية أو مشتركة بين جماعات محدودة، فجميع أفراد النوع البشري يشتركون في الحاجة للأكل والأمن ... لكنهم يتمايزون في رغباتهم فالبعض قد يرغب في اقتناء سيارة في حين يرغب آخر في السفر، وحتى إن اشتركت جماعة معينة في نفس الرغبة، اقتناء سيارة مثلا، فإنهم يختلفون في تفصيل نوع عن آخر، فالرغبة هي مسألة فردية ولا يمكن لأحد أن يرغب بالنيابة عن الآخر، ولا أن يجعل الآخرين يشاركونه رغباته.
· الحاجات تتسم بالانسجام والمعقولية، أما الرغبات فتتسم بالتغير السريع والتناقض أحيانا واللامعقولية أحيانا كثيرة، فنجد أن الفرد يغير رغباته بين لحظة وأخرى، ويرغب في الشيء ونقيضه (الرغبة بالبقاء مع الأهل) ونجد عند البعض كثيرا من الرغبات غير المعقولة، فمن الناس من يرغب في أن يكون له أجنحة، أو أن يرجع القهقرة في السن، أو يكون سوبرمان! ويمكننا الاستطراد أكثر في تعداد هي التمايزات والتدقيق في تفاصيلها، لكن فيما ذكرناه الكفاية، ولا بد من الإشارة إلى أن ما عددناه من صفات الرغبة لا ينطبق بالضرورة على جميع الرغبات، وإن كان يلزم ويشمل أغلبها.
ألا يمكن للحاجة أن تصبح رغبة؟
في نظر ميلاني كلاين، وهي من المحللين النفسيين الأوائل الذين حاولوا تطبيق آليات التحليل النفسي على الأطفال، وقد قادتها ملاحظتها للأطفال وتحليلها لذكريات الراشدين عن مرحلة طفولتهم إلى نتائج مهمة، الأطفال الرضع يرغبون دائما في تواجد الأم (الثدي) معهم سواء أكانوا جياعا أو لا، وقد استنتجت من ذلك أن الثدي يقوم بوظيفتين مزدوجتين الأولى هي إشباع الحاجة البيولوجية للأكل والثانية –وهي الأهم- تجنيب الطفل الخوف والقلق وتخليصه من دوافعه التدميرية وقلقه الاضطهادي، لقد تحول إشباع الحاجة البيولوجية إلى إشباع للرغبة النفسية وكل ذلك يتم بطريقة لا شعورية، وهذا يستدعي أن أي خلل يطال إشباع الحاجات البيولوجية سيكون له أثر على إشباع الرغبات النفسية المرتبطة بها.
إن تحقيق الحاجات يضمن البقاء، وإشباع الرغبات يضمن التميز، مع ميلاني كلاين نلاحظ أن الحاجة يمكن أن تتحول إلى رغبة. فتلازم الحاجة والرغبة هو تلازم للبقاء مع التميز، وبعبارة أخرى إنه تحديد لمستقبل الإنسان بوصفه الموجود الوحيد المميز بالرغبات.
تقول ميلاني كلاين إن الطريقة التي يتم بها إشباع حاجات الرضيع إلى الثدي تترك أثرا عميقا على مستقبله وطبيعة شخصيته، ولكي نفهم هذه الفكرة بشكل أفضل لابد من استحضار فرضية أساسية تنص أن "الطفل أبو الرجل"، بمعنى أن ما يعيشه الفرد من خبرات وتجارب في طفولته سيكون لها أبلغ الأثر في تحديد ملامح شخصيته مستقبلا، فجميع سمات واضطراباتها التي تظهر في الكبر تجد نواتها في مرحلة الطفولة.
بل إن الفن والإبداع نفسه ما هو إلا إعلاء للدوافع والرغبات غير المشبعة، ولكن بشكل غير مباشر، فكمية الإحباط والتفريج الذي تسمح به الأم لطفلها هو المسؤول عن إذكاء نار البحث والتخيل وخلق البديل (جوهر الإبداع) عند الطفل المحبط إحباطا متوسطا، فالطفل الذي يرغب في الثدي ولا يناول إليه مباشرة تكون أمامه فرصة للإحساس بالرغبة وتعويضها بالتخيل والبديل (مص الأصبع) وعندما يناول الثدي تكون أمامه فرصة للربط بين الرغبة/ الحاجة والإشباع، مما يولد نفسه الثقة في نفسه والآخرين.
نستخلص مما سبق أن الرغبة تربط بالحاجة بربط لا تصوري يجعل إشباع الحاجات إشباعا لرغبات مرتبطة بها، هذا الرباط اللاشعوري هو المسؤول عن كثير من المفارقات والإشكاليات التي تثار عن علاقة الحاجة والرغبة.
لقد تناولت ميلاني كلاين إشكالية الحاجة والرغبة من وجهة نظر فردية غير سوسيولوجية، وربطت الإبداع بالتسامي الذي هو في جوهره تحوير لإحباط طال رغبات فردية من "أم غير متفهمة"، وهذه الأطروحة في جوهرها تتناقض مع بعض الأطروحات السوسيولوجية والانتروبولوجية، فرالف لنتن مثلا يربط الرغبة والحاجة وكيفية إشباعها بما هو اجتماعي، ويصنف الحاجات إلى ثلاثة أنواع بيولوجية واجتماعية ونفسية وهي كلها خاضعة لما هو اجتماعي ومقولبة ضمن المجال الثقافي، ومنه فالمجتمع والثقافة يحددان شكل إشباع الحاجة وأنماط تصريفها.
لقد أشرنا فيما سبق إلى أن الثقافة والفن هما وليدتا الرغبة الطامحة إلى تجاوز الحاجة، لكن مالينوفسكي يرى العكس، ويؤكد على أن المجتمع وكل منتجاته هي نتاج لحاجات بيولوجية، فالحاجة إلى التناسل هي التي أدت إلى الزواج وليس العكس، ونضيف على نفس المنوال، أن الحاجة للأمن هي التي خلقت المنازل، والحاجة للراحة هي التي أنتجت الموسيقى.
إن إشباع الرغبات وتحديد موضوعاتها يخضع لمجموعة من الميكانيزمات النفسية والاجتماعية، ولكن هل الرغبة تخضع فقط لما هو نفسي واجتماعي، أم أن هناك عوامل أخرى تتحكم فيها؟
لهذا التساؤل عدة إجابات مختلفة أولها هي إجابة أفلاطون، فهذا الأخير يجعل من الرغبة شهوة لا عاقلة ويجب إخضاعها للعقل والإرادة والتدبر، أما الإجابة الثانية الممكنة فهي إجابة شوبنهور الذي يجعل من العقل مجرد خادم للرغبة، فهو يستعمل جميع الوسائل والتبريرات (أفكار، منطق...) لإشباع الرغبة...
إن العلاقة بين الحاجة والرغبة هي علاقة جد متداخلة ومعقدة تعقد الإنسان نفسه، فهما يتكاملان ويتناقضان ويتمايزان أحيانا أخرى.وإذا سلمنا بكون الرغبة هي أحد أوجه التميز الإنساني فإنه من الصعوبة بمكان تحديد مصدر هذه الرغبة والعوامل المتحكمة فيها، هل هي نفسية أم اجتماعية أم عقلية؟ وإذا كنا نؤمن بتكامل المعارف وتعقد الظاهرة الإنسانية فإنه لا يمكننا التضحية بأي بعد من الأبعاد التي يمكن أن تتدخل في تشكيل الرغبة دون أن نضحي بالفهم المتكامل للإنسان.
الرغبة والإرادة
يلتبس مفهوم الرغبة Désir مع مفاهيم أخرى، مثل مفهوم الحاجة Besoin غير أن الرغبة والحاجة ليستا عبارتان منفصلتان كلية، إحداهما عن الأخرى، فهما قدرة يمتلكها كائن معين في الوجود فتتجلى على شكل غريزي صرف لدى الحيوان فتعرف –القدرة- بالحاجة أي تلك الضرورة البيولوجية (مثل الأكل، النوم، التناسل) والتي غايتها استمرار الكائن في الوجود، ولما كان الإنسان يشترك مع الحيوان في هذا المعطى الحاجي، فإنه يمتاز عنه بتلك الكيفية التي يلبي بها حاجاته وفق مجاله الاجتماعي والثقافي المتنوع والمتطور عبر التاريخ، فتكون الرغبة بذلك تحويل الحاجة إلى ميل مرتبط بموضوع يفتقده الإنسان في وضعه الحاضر ويريد الحصول عليه.
تحول المسافة إذن بين الذات الراغبة وموضوع رغبتها عائقا يستلزم عنصر الوعي بصفته بعدا أساسيا في السلوك الإنساني، يعمل على تحديد وسائل كفيلة بتحقيق الرغبة، هذا يجعلنا نعتبر أن الإنسان كائن واع برغباته، التي تدفعه إلى تلبيتها، حتى وأن لم يعي تمام الوعي دوافعها الضمنية والمضمرة، واستنادا عليه يقر سبينوزا بأن الإنسان لا يسعى إلى شيء، لا يريده ولا يشتهيه، ولا يرغب فيه لكونه يعتقده شيئا طيبا، بل على العكس من ذلك يعتبره شيئا طيبا لكونه يسعى إليه ويشتهيه ويرغب فيه.
يظهر أن لكل فرد رغباته الخاصة به، مادام يسقط على الشيء المرغوب صفاتا ذاتية تجعله مرغوبا لديه، فهل هذا معناه أن الرغبة مشروطة بالوعي كوحدة لقيمة الشيء المرغوب؟
يمكن القول بأن الرغبة والوعي متلازمان، فلكي يتجلى الوعي بصفته توجها نحو العالم الخارجي، ينبغي أن تحدد توجهه هذا رغبة ما.
إن وجود الإنسان ذاته، الوجود الواعي بذاته، يستلزم ويفترض الرغبة، بعبارة أخرى، لكي يكون هناك وعي بالذات ينبغي أن تكون هناك رغبة، ولكي تكون هناك رغبة ينبغي أن يكون هنالك وعي بالذات، وبالتالي فالرغبة والوعي بالذات ما هما إلا أشيء واحد. إن الوعي بالذات هو وعي راغب يتوجه نحو الخارج ليعود إلى الذات، فالرغبة لا تتجلى في شكل ميل إل حفظ الذات فحسب، وبل وتأكيد لها كذلك. إن الذات تسعى من جهة إلى التعرف عن ذاتها في الأشياء التي تمثل أمامها كموضوع، فتقوم بتحويلها عن طريق الشغل أو الفن ... ومن جهة أخرى تسعى إلى الاعتراف بها من لدن الآخر أي من وعي آخر، لكن هذا الاعتراف لا يمنح وإنما تتنازعه الذوات، من تعرفها على ذاتها إلى الاعتراف بها هو انتقال من مجال الحياة العضوية أي الوجود الطبيعي للإنسان إلى مجال الحياة المجتمعية.إن وعي الذات بذاتها إذن يتحقق عبر/ بواسطة رغبة الاعتراف التي تحملها ذاتان متعارضتان كلاها ترغب في رغبة الأخرى، وهي مرحلة ضرورية في تطور الوعي ليصبح وعيا بالذات، حيث يعطي البشر معنى وقيمة لوجدهم وللعالم المحيط بهم.
وخلاصة ما عبر عنه هيجل نجد لها تعبيرا مكثفا لدى لاكان الذي يقر أن "... رغبة الإنسان تجد معناها في رغبة الآخر، لا لأن الآخر يحمل مفتاح موضوع الرغبة بل لأن أول موضوع للرغبة يجب أن يعترف به الآخر"[2] ... باختلاف بسيط إذن فهيجل جعل الرغبة والوعي متلازمان في حين سوف يجعل لاكان من عنصر اللاوعي عنصرا آخر بعيد النظر في الذات المسيطرة على سلوكها وأهوائها ورغباتها؟.
إن الوعي موجب ومقنن للرغبة، بوصفها ميلا واعيا تجاه موضوع معين، ولغاية معينة، فهل معنى ذلك أن الوعي متحكم في ميولاته ونزوعه أم أن هناك نزوعا وميولا لا يتحكم فيها؟ والمثال، في هذا الإطار أن الميل نحو شخص ما، قد لا تعي الذات دوافعه الحقيقية، ومن ثم تنفلت الرغبة من منطقة الوعي والإرادة، ذاك فعلا هو الخطاب الذي يوجهه التحليل النفسي إلى الذات [مخاطبا] "أنت تعتقدين أنك تعرفين كل ما يجري في نفسك، (...) بل إنك لتذهبين إلى حد الاعتقاد بأن ما هو نفسي مطابق لما هو شعوري، أي لما هو معروف من طرفك، وذلك رغم البراهين الواضحة على أن أشياء كثيرة تحدث في حياتك النفسية أكثر من تلك التي تتماثل إلى شعورك3]]"
لقد أظهرت مكتشفات التحليل النفسي أن الذات ليست سيدة مملكتها كما كان مترسخا في فلسفات الوعي، وقد تلبي رغبة دفينة في النفس وقفت العوائق الاجتماعية والثقافية حاجزا دون تحقيقها، عبر آليات العلم، فلتات اللسان، زلات القلم ...إلخ، وهذا ما أكده هو ما اعتبره سبينوزا عملا بالعلل الحقيقية للرغبة؟ أليس ذلك الجهل هو انعدام معرفة بخبايا النفس وأعماقها والتي سوف يضيف إليها اللاشعور إرضاءه هامة في تاريخ الفلسفة؟
إن الرغبة مكون بشري، أساسي يشكل ماهية الإنسان، بصفته ذاتا واعية، تطور وعيها ليصبح وعيا بالذات من خلال جدلية الأنا والآخر، وبصفته ذاتا لا واعية في جزء منها حيث تخرج الرغبة عن مجال السيطرة والتقنين.
الرغبة والسعادة
يختلف الناس في تمثلهم للسعادة، بين من يقصرها على حسن العيش، من حياة مرفهة، وامتلاك للأموال والثروات، وتلبية كاملة للرغبات، وتشيع لها، وتحقيق للذة والمتعة في مختلف أشكالها وتجلياتها، وهناك من يقصرها على حسن السيرة من حياة كريمة ومعتدلة ومنسجمة، وقد نجد الاختلاف بين الأفراد، فالمريض يرى السعادة في الصحة، والفقير يراها في المال، والوحيد يراها في الأنس والصداقة.
يظهر إذن أن التمثل الاجتماعي يهيمن عليه المعنى المادي، الذي يقترن بإرضاء رغبات وشهوات الجسد، والاستمتاع باللذة والرغبة بكل أشكالها.
وفي لسان العرب نجد: سعد، السعد، بمعنى اليمن والخير، وسعد سعدا فهو سعيد، وسعد فهو مسعود، وهو نقيض النحس والشقاوة، ويكتسب اليمن أي الخير دلالتين: الأولى تشير إلى ما هو مادي محسوس، وتتمثل في الإرضاء والإشباع، أما الدلالة الثانية، فتشير إلى ما هو عقلي، وتتمثل في التدبير.
تتحدد السعادة من الوجهة الفلسفية العامة كحالة إرضاء وإشباع وارتياح تام للذات، يتسم بالقوة والثبات، ويتميز عن اللذة للحظيتها، وعن الفرح لحركيته، ويبدو من هذا أن المسألة الفلسفية تتحدد عبر مستويين:
مستوى كيفي يتعلق بالطبيعة النظرية والماهوية للسعادة، هل هي مادية ترتبط بكل ما يحقق الإرضاء المادي من رغبات، وامتلاك للخيرات والصحة والنفوذ.
مستوى مجرد يتعلق بكل ما يحقق اللذة العقلية، من معرفة وعلم، أم أنها تتجاوز هذا وذاك لترتبط باللذة الروحية والوجدانية.
لقد عمل المفكرون المسلمون الذين بحثوا في موضوع السعادة على تأكيد شيئين: أولا ضبط مفهوم اللذة بالتمييز فيه بين اللذة العقلية والجسدية، والمفاضلة بينهما، حيث أن اللذة العقلية أي الرغبات العقلية من المعرفة والفكر أرقى شأنا، وأعلى مرتبة من اللذة البدنية، والتي تظل عندهم محتقرة، وهذه المفاضلة نجد جذورها في النسق الفلسفي الأفلاطوني – الأرسطي، الذي يمجد العقل ويرى أن العقل أسمى منزلة من الرغبة والشهوة، حيث أن الرغبات الحسية مرتبطة بعالم الكون والفساد، في حين أن الرغبات العقلية مرتبطة بعالم متعالي دائم لا يلحقه الفساد والتغير، وانطلاقا من هذا كله، فإن سعادة الإنسان لا ترتبط بمدى إرضائه لملذاته الحسية، وذلك لاعتبارات كثيرة منها: أن اللذة البدنية يشارك فيها الإنسان جميع الحيوانات كرغبات الأكل والشرب.
لقد عمل ابن مسكويه على مهاجمة أولئك الأبيقوريون –يقصد هنا الفلسفة الابيقورية التي جعلت اللذة في منزلة الحكمة، وكذلك كل من يدافع على كون السعادة هي اللذة – الذين يحصلون السعادة في الرغبات البدنية، فاعتبرهم من العامة الرعاع، وجهال الناس السقاط، وفي هذا الصدد يقول ابن مسكويه في كتابه "تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق": "... وظنوا أن جميع قواه الأخرى إنما ركبت فيه من أجل هذه اللذات، والتوصل إليها، وأن النفس الشريفة التي سميناها ناطقة، إنما وهيت له ليرتب بها الأفعال ويميزها، ثم يوجهها نحو هذه اللذات، لتكون الغاية الأخيرة هي حصولها له على النهاية والغاية الجسمانية، وهذا هو رأي الجمهور من العامة الرعاع، وجهال الناس والسقاط ... وسيظهر عند ذلك أن من رضي لنفسه بتحصيل اللذات البدنية ... فقد رضي بأخس أنواع العبودية، ... لأنه يصير نفسه الكريمة عبدا للنفس الدنيئة، التي يناسب بها الخنازير، والخنافس والديدان، وخسائس الحيوانات التي تشاركه في هذا المجال".
إن الرغبة في تحقيق وإشباع اللذات والشهوات الحسية، تؤدي إلى جعل النفس أسيرة الشهوات، لا تستطيع أن تكسر هذه القيود الحسية، فقوى الجسم من العقل والبصر والسمع والحركة، وغيرها من القوى الأخرى، جعلت في الجسم لا من أجل تحقيق الشهوات والملذات، وإنما من أجل السمو باللذة العقلية، فلا فرق بين طالب اللذات البدنية وخسائس الحيوانات كالخنازير والخنافس، والديدان، ولأن الابيقوريون جعلوا النفس الشريفة كالعبد الممتهن، وكالأجير المستعمل في خدمة النفس الشهوية لتخدمها في المآكل والمشارب، ولأن الجسد لا يمكنه بأية حال أن يكون داعيا إلى الفضيلة، فإن الداعين إلى السعادة إستنادا إلى الجسد ظلوا عند مستوى البهيمية، ومن هنا فلا عجب أن نجد ابن مسكويه يشرف اللذة العقلية، باعتبارها رغبات إنسانية من نوع آخر، ويعلي شأنها إلى درجة القداسة أحيانا، فهي لذة تامة وشريفة ولا تمل.
إن تفضيل اللذة العقلية سيجعل من السعادة خيرا على الإطلاق، لأننا نطلبها لذاتها كغاية، ونؤثرها لذاتها لا لشيء آخر غيرها. إن أصل هذا التصور للرغبة والسعادة، يعود إلى نظرة فلاسفة المسلمين إلى الإنسان من خلال الثنائية (نفس/ جسد)، فتم تمجيد النفس والعقل، واحتقار الجسد والمادة، بل وجعلوا تحقيق السعادة خاصة، والفضيلة عامة، رهينا بمدى تجاوز عوائق البدن وتطهير النفس من الرذائل والشهوات الرديئة، والنزوات الفاحشة التي قد تعلق بها، فبقدر ما تلتبس النفس بالبدن وتتدنس بملذاته، يبتعد الإنسان عن قبول الفضائل، وينخرط بالتالي في الشقاء والشر، وفي هذا السياق جعل مسكويه من مسألة معرفة النفس وإثبات وجودها، ومباينتها للجسد، المسلك الضروري لتحصيل السعادة خاصة وتهذيب الأخلاق عامة، فالجسد حسب ابن مسكويه مرادف للرغبة، والرغبة توحي إلى تحقيق اللذة الحسية، وبالتالي عدم سمو الإنسان إلى مرتبة مقدسة، ويضيف أيضا أن فضيلة النفس تكمن في التشوق إلى العلوم و المعارف، وبحسب إلحاح الإنسان وإصراره على طلبها تكون سعادته. إن تميز الإنسان بالعقل، هو ما يجعله يباين البهائم، ولا تكون السعادة لغير الناطقين، وجعل أشرف الناس وأسعدهم من كان له عقلا يتشوق به إلى العلوم والمعارف، وكانت الحكمة أسمى تجليات العقل البشري المتشوق، لزم بالتالي أن تكون الحكمة سبيلا إلى السعادة التامة و طريقا لتحصيلها، بالممارسة العقلية والتأمل في الذات، وفي الموجودات، فتكون بذلك السعادة تأملية تتحقق بالإدراك العقلي، وهكذا سيحصل الفارابي السعادة، في الاتصال العقلي بين العالم السفلي والعلوي، ويقصى كل الرغبات والشهوات والملذات الجسدية باعتبارها سبيلا غير موصلة للسعادة الحقيقية

الفلسفة السنة اولى باكلوريا
تقديم:
كلمة لغة مشتقةّّّّّّّ، في اللغة العربية، من اللغا أو اللغو ويعني الكلام الفارغ غير المفيد، كما تعني مجموعة من الأصوات التي يعبر بها أفراد مجتمع معين عن حاجاتهم وأغراضهم. كما أن كلمة langage الفرنسية مشتقة من الكلمة اللاتينية lingua التي تفيد الكلام واللسان. ويتبين من هذا أن الدلالة المعجمية لكلمة "لغة" تجعلها ترتبط بالكلام.
والملاحظة المباشرة تؤكد أن الكلام فعل صوتي فردي يتم ويتلاشى في الزمان، بينما تظل اللغة مجموعة من الكلمات والأصوات والقواعد الثابتة، التي من خلالها يتحقق فعل الكلام، وبالتالي هي التي تمكن مجتمعا من التواصل وإنتاج المعرفة، ويتأكد في الوقت نفسه أن عملية التواصل يمكنها أن تتم بطرق أخرى غير الكلام : كالحركات، والإيماءات الجسدية، والعلامات، والرموز. إن اللغة ـ إذن ـ ظاهرة يمكنها أن تتخذ صورا صوتية فردية، أو صورا كونية، يمكن بواسطتها أن يتفاهم سائر أفراد المجتمعات.
كما أنها ظاهرة معقدة يمكن أن تكون موضوع دراسات متعددة في آن واحد (كالفسيولوجيا، والسوسيولوجيا، والأنثروبولوجيا، والسيكولوجيا، واللسانيات …الخ). فاللغة ظاهرة إنسانية/اجتماعية قابلة لأن تدرس من عدة زوايا بناء على طابعها المتنوع، فقد تدرس اللغة –اختصارا- من ستة زوايا كما يلي:
1) الزاوية اللسانية (Linguistique): وهي تستهدف تشريح اللغة على أربع مستويات: أولها المستوى الفونولوجي (Phonologique) ويقصد تحديد الوحدات الصوتية (الفونيماتPhonèmes) والأنساق الفونولوجية الخاصة بكل لغة على حدة. وثانيها المستوى الدلاليSémantique)ويقصد تحديد دلالة الكلمات ومعاني الألفاظ (المورفيماتMorphèmes) التي تتركب منها الجمل داخل لغة ما. وثالثها المستوى التركيبي (Syntactique أو Syntaxique) ويهدف إلى ضبط القوانين والقواعد النحوية والصرفية الإعرابية التي تحكم تركيب الجملة في لغة معينة. ورابعها المستوى التداولي (Pragmatique) وهو يهتم بوظائف اللغة داخل العملية التواصلية وكيفية تداولها داخل الجماعة/المجتمع.
2) الزاوية الفيزيائية (Physique): وهي تهتم بدراسة الذبذبات أو الموجات الصوتية(Ondes Sonores) المنبعثة من المرسل إلى المرسل إليه، أي دراسة اللغة كفعل مادي خارجي محسوس قابل للملاحظة والتجريب والقياس والتكميم.
3) الزاوية الفيزيولوجية (Physiologique): وهي تدرس الأحداث الفيزيولوجية التي تطرأ على أعضاء التصويت (Organes de phonation) عند المتكلم وأعضاء الاستماع (Organes d'Audition) عند المستمع على اعتبار أنه ليس للغة أعضاء خاصة في جسم الإنسان تؤدي وظيفتها بل هي تستعير من الجسم أعضاء بواسطتها تلقي الرسالة أو تتلقاها. ومن بين أعضاء التصويت/الإرسال نجد التجويف الفمي والأسنان والشفاه والقصبة الهوائية والحبال الصوتية والرئتين… ومن بين أعضاء الاستماع/ الاستقبال نجد الأذنين الداخلية والخارجية والطبلة والألياف العصبية…أضف إلى ذلك المنطقة الخاصة بالسمع على مستوى الدماغ.
4) الزاوية السوسيولوجية (Sociologique) : وهي تهتم بوظائف اللغة داخل المجتمع على اعتبار أنها أساس التواصل الاجتماعي وأنها ظاهرة ومؤسسة اجتماعية/جماعية/ مجتمعية، فلا مجتمع دون لغة كما أنه لا لغة دون مجتمع وبالتالي لا مجتمع دون تواصل كما ترى جوليا كريستيفا .
5) الزاوية السيكولوجية (Psychologique) : وهنا ينصب الاهتمام على مختلف العمليات التي تطرأ داخل الدماغ البشري من قبيل: كيفية اكتساب اللغة، وكيفية الترابط الذي يتم داخل الذهن البشري بين الكلمة ومضمونها أو بين الدال والمدلول، وكيفية تكون الذات المتكلمة، وكيفية إنتاج الدلالة المبلغة (الرسالة) و كيفية فك رموزها…الخ.
6) الزاوية الفلسفية (Philosophique) : وهي تلامس كل ما سبق ذكره بنظره نقدية –تقويمية- تقييمية.
هكذا تبرز التساؤلات الأساسية حول اللغة:
· كيف يمكن حصر الظاهرة اللغوية في الإنسان؟ ما الذي يجعله كائنا مفكرا ورامزا؟
· ما علاقة اللغة بالفكر؟ هل يمكن التفكير بدون كلمات؟
· هل اللغة منظومة قواعد ومبادئ تعمل باستقلال عن مؤسسات المجتمع وقيمه، أم أنها تحمل سلطة محايثة لها؟
اللغة خاصية إنسانية
هل اللغة خاصية إنسانية؟ كيف نفسر وجود اللغة عند الإنسان دون غيره؟ ثم ألا يمكن الحديث عن لغة لدى الحيوان؟ وأخيرا ما هي مميزات التواصل الإنساني بواسطة اللغة بالمقارنة مع التواصل الحيواني؟
ينطلق ديكارت من قناعة مفادها أن الإنسان وحده الكائن الناطق أو بالأصح الكائن الرمزي (Symbolique) الذي يستخدم اللغة المنطوقة/المكتوبة/الحركية للتعبير عن أغراضه ومشاعره وأفكاره… وأساس حضور اللغة (بمفهومها هذا) عند الإنسان هو وجود الفكر لديه ، كما أن علة غيابها عند الحيوان هي افتقاره إلى الفكر. ودليل ديكارت على هذا هو أن الإنسان مهما بلغ به النقص يستطيع استخدام العلامات للتعبير عن أفكاره (كالصم البكم الذين يخترعون علامات وحركات لهذا الغرض) ، في حين أن الحيوان مهما بلغ من الكمال لا يستطيع استعمال اللغة (فنطق الببغاء مثلا ليس لغة لأنه مجرد تعبير عن انفعال إشراطي) . وبهذا تكون عبارة : "الإنسان حيوان عاقل" مرادفة لعبارة "الإنسان حيوان ناطق" ، إذ أن العقل/ الفكر أساس النطق/ اللغة . فلا لغة دون فكر أو كما قالت العرب «اللغة دالة الفكر».
إن ما يدعى لغة حيوانية لا يعدو أن يكون حركات طبيعية لا تمثل في نهاية المطاف سوى ردود أفعال غريزية أو قابلة للبرمجة عن طريق الترويض ومن ثم قابلة للتوقع أو أنها استجابات آلية لمثيرات ودوافع. بدليل أن أكمل الحيوانات خلقة وأكثرها ذكاءا وأقدرها على إصدار أصوات كالببغاء لا تنطق نطقا يشهد أنها تعي ما تقول، ويظل "أداؤها اللغوي" دون مستوى أداء أغبى الأطفال أو مستوى الصم والبكم الذين حرموا أعضاء النطق لكنهم قادرون مع ذلك على ابتكار علامات يجعلون بها أفكارهم مفهومة. إن اللغة إذن وظيفة التعبير عن الفكر ودلالة على الوعي الذين ينفرد بهما الإنسان من منطلق كونه مركبا من جوهرين: الجسد وخاصيته الامتداد ثم النفس وخاصيتها التفكير. أما الحيوان فلا يملك غير الحركات الطبيعية أو الإنفعالات.
لقد أبان ديكارت أنه يمكن اعتبار الأصوات التي تصدر عن الحيوان مجرد استجابات انفعالية لمؤثرات مرتبطة باللذة أو الألم. فالصوت المشروط باللذة أو الألم لا يمكن اعتباره إلا فعلا منعكسا شرطيا وليس تواصلا. إن اللغة ليست ظاهرة فسيولوجية، لذا يمكن القول بأن الحيوان لا يملك عقلا، ومن ثمة فهو غير قادر على استعمال اللغة.
أما إميل بنفنيست، فيستند على نتائج علم الحيوانات (Zoologie) من جهة والسيميولوجيا (Sémiologie) من جهة ثانية ليقر بأن الحيوانات كذلك تتواصل إلا أنها لا ترقى إلى نفس مستوى التواصل اللغوي عند الإنسان. فبالاعتماد على بعض التجارب التي أجريت على النحل، بين بنفينست أن النحلة تستطيع التواصل في إطار شروط فزيائية معينة، إلا أن هذا "التواصل" هو عبارة عن رقصات لا تستدعي الحوار: فلا يمكن لنحلة أن تعيد إنتاج رسالة نحلة أخرى (غياب الإرسال المجدد)، وموضوع الرسالة مرتبط دائما بشروط موضوعية ينحصر في مكان وجود الغذاء، لأن لغة الحيوان لغة نمطية، ومرتبطة باستمرار بدوافع غريزية. لذا لا يمكن أن نجد خلافا بين رسالة نحلة وأخرى، إلا فيما يخص متغيرات مرتبطة بالمكان. وأخيرا فإن لغة النحل لا تقبل التحليل (التفكيك) إلى عناصر وأجزاء صغرى نظرا لمحدودية مكوناتها. إن لغة النحل هذه لا تعبر فعلا ولا يمكنها أن تعبر سوى عن عدد محدود من المضامين بسبب محدودية عدد التأليفات والتنويعات الممكنة التي تقبلها لغة الرقصات، كما أنها لا تسمح بقيام حوار إذ تظل الرسالة في اتجاه وحيد دون استجابة لغوية من المتلقي، ودون إمكانية نقلها إلى طرف ثالث، كما تشترط الحضور الفعلي للموضوع الخارجي المشار إليه. وهذه القيود كلها تنفلت منها اللغة الإنسانية.
الجدول أدناه يبين الاختلاف بين التواصل الإنساني والتواصل الحيواني، حسب بنفينست:
التواصل الإنساني
التواصل الحيواني
· صوتي أو رمزي في معظمه
· مكتسب
· قائم على الفكر والتفكير
· بديل عن الواقع/المرجع
· متعدد المواضيع/المضامين
· متطور/ديناميكي
· غير صوتي (حركي أو إفراز بيوكيماوي) في معظمه
· فطري/غريزي
· قائم على الانفعال
· لا يغني من العودة إلى الواقع/المرجع
· وحيد الموضوع/ المضمون (الأكل/ الشرب/الجنس/الخطر)
· غير متطور/ستاتيكي
إن اللغة الإنسانية تسمح بالتأليف والتركيب بين عناصر متنوعة (الحروف، الكلمات، الجمل، الفقرات، السياقات...)، إذا تمفصلت فيما بينها يمكن أن تكون لها دلالات متعددة ولا متناهية بالاعتماد على عدد متناهب من الحروف والكلمات. ولعل هذه الخاصية هي التي تميز اللغة الإنسانية عن غيرها من أنظمة التواصل لدى الحيوان. فكيف يمكن لأصوات (حروف الأبجدية مثلا) وكلمات (مفردات القاموس) متناهية العدد أن تعبر عما لانهاية له من المضامين؟ يعود ذلك إلى خاصية التمفصل المزدوج التي كشف عنها أندري مارتيني. وتتلخص في نوعيت من التمفصل (Articulation) :
· التمفصل الأول: وهو عبارة عن تمفصل اللغة في شكل وحدات صوتية قادرة على التعبير عن خبرة معينة، فهذا النوع من التمفصل هو الذي بوسعه أن يقضي على فردانية الخبرة بتحويلها إلى خبرة لسانية جماعية. وميزة هذا التمفصل أنه اقتصاد لساني: فمن خلال وحدات صوتية محدودة، نستطيع أن نعبر عن تجارب متنوعة، مادامت الوحدات الصوتية تستطيع أن تدخل في سياقات أخرى جديدة، كما أنه اقتصاد سيكولوجي، لأنه يجنب الذاكرة البشرية الاضطرار إلى حفظ وحدات صوتية كثيرة، قد يصل عددها إلى عدد إلى عدد التجارب.(أصغر ما يمكن أن نطلق عليه اسم التفصل الأول هو الجملة).
· التمفصل الثاني: وهو عبارة عن تمفصل فونيمات (فارغة من المعنى) في وحدات صوتية من التمفصل الأول؛ وهكذا يكون التمفصل الثاني أساس الأول، وميزته أنه يمثل اقتصادا لسانيا : فبواسطة فونيمات محدودة نستطيع إنشاء مورفيمات ومونيمات ودلائل متنوعة تستطيع بدورها أن تدخل في سياقات عديدة من التمفصل الأول. وميزته، كذلك، أنه يشكل اقتصادا فسيولوجيا : فبدونه، سيكون الإنسان مضطرا إلى ابتكار عدد كبير من الأصوات التي قد لا تطابق قدراته الفسيولوجية. من هذا نستنتج، أن النسق اللغوي ليس نسقا لانهائيا إلا من حيث تأليفاته؛ أما من حيث جذوره فإنه يعتبر محدودا. هكذا يستطيع الإنسان أن يعبر عن خبراته المتنوعة د ونما حاجة إلى خلق وحدات صوتية مطابقة لكل الأشياء والأحداث.(لفهم التمفصل الثاني يكفي أن نأخذ كمثل على ذلك الحروف الأبجدية فهي بضع حروف فرغة من المعنى لكن نستطيع أن نصنع بها آلاف الكلمات).
ليست اللغة خاصية إنسانية فحسب بل هي علامة مميزة للوجود الإنساني. وقد ذهب إرنست كاسيرر إلى حد القول بأن اللغة والإبداعات الرمزية عامة قد خلقت عالما رمزيا متوسطا بين الإنسان والعالم المادي بحيث أصبح إدراك العالم الواقعي مستحيلا بغير التحويلات التي يخضعه لها العالم الرمزي. ومن هنا وصف الإنسان بكونه "حيوانا رامزا". فالإنسان يعي العالم عبر شبكة من الرموز اللامتناهية: فكل ما يعرفه الإنسان عن الواقع هو مقادير ومعايير ودوال... أي رموز أو شبكة رمزية. وكلما أغرق الإنسان في هذه الشبكة الرمزية تراجع الواقع إلى الخلف، والعكس صحيح حسب كاسيرر.
لم يعد الإنسان عند كاسيرر مجرد حيوان ناطق بل أصبح حيوانا خالقا للرموز، وأصبحت صفته هذه هي الدليل الوحيد على إنسانيته. وعلى هذا الأساس يرى كاسيرر أنه بدلا من أن نعرف الإنسان باعتباره حيوانا عاقلا، فإن علينا أن نعرفه باعتباره حيوانا رامزا. فالإنسان لا يعيش في عالم واقعي وإنما في عالم رمزي مكون من اللغة والدين والفن والأسطورة. وبالتالي فإن دراسة الإنسان تصبح قائمة على أساس دراسة هذه الرموز.
اللغة والفكر
يستطيع الإنسان بواسطة اللغة أن يتمثل الواقع في الذهن دونما حاجة للتقيد به، ويستطيع استحضاره في صورته وشكله الماديين والتفكير فيه دونما حاجة لاسترجاعه... وهذا ما يحيل إلى طبيعة العلاقة الموجودة بين اللغة والفكر: هل هي علاقة تبعية وتلازم؟ أم علاقة انفصال وقطيعة؟
إن الوقائع والملاحظات التي تدفع للاستنتاج بأن الفكر سابق ومستقل عن اللغة متعددة. فهناك من جهة تعدد الأنظمة الدالة بتعدد الألسن بل وتعدد أنساق العلامات التي يستخدمها الفرد الواحد للتعبير عن نفس الفكرة من حركات وإيماءات ورموز متنوعة مما يدفع إلى القول باستقلال الفكرة عن العبارة لإمكانية انفصال الفكرة عن علامة ما وارتباطها بأخرى: هناك إذن نوع من تعالي الفكر على أداته اللغوية، ومن جهة أخر يتبدى الفكر سابقا على اللغة عندما يبحث الإنسان طويلا عن كلمات مناسبة للتعبير عن فكرة ما. لهذه الأسباب يفترض الحس المشترك أننا نفكر أولا ثم نعبر ثانيا أي ننتقل بعد التفكير إلى إلباس أفكارنا بكلمات ملائمة.« L’homme pense sa parole avant de parler sa pensé » . وفي مثل هذه الحالة لن تكون الكلمات والجمل سوى أداة بعدية تساعد على إظهار منتوج عملية التفكير التي تتم قبل وبدون اللغة. وإذا كانت الكلمات والجمل ضرورية لتبليغ نتاج عملية التفكير للآخرين فإنها بالمقابل غير ضرورية لحدوث عملية التفكير ذاتها. هنا تحصل مقابلة أو معارضة الوظيفة المعرفية للفكر بالوظيفة التواصلية للغة.
يمكن أن نجد سندا لهذا الموقف عند ديكارت لا سيما في ثنائية النفس/الجسم: فالفكر لامادي مرتبط بالنفس بل هو طبيعتها المميزة لها، أما اللغة فتنتمي للجسم بسبب طبيعتها المادية (الأصوات، الكتابة...) ومن غير الممكن تصور علاقة اتصال بين هاتين الطبيعتين المتمايزتين، إلا أن تكون اللغة مجرد أداة أو وسيلة للتعبير عن الفكر القائم بذاتهلهذا ينعت مثل هذا التصور بالتصور الأداتي للغة. فإلى أي حد يصمد هذا التصور أمام النقد وإلى أي حد يعبر فعلا عن حقيقة العلاقة بين اللغة والفكر؟
توقف ميرلوبونتي عند هذه العلاقة الإشكالية بين اللغة والفكر مستخدما المنهج الفينومينولوجي المعتمد على وصف المعطيات المباشرة للوعي قبل تدخل النشاط الإدراكي التنظيمي للعقل، ليبين المآزق النظرية للتصور الأداتي الذي يعتبر اللغة والفكر كيانين متمايزين في حين أنهما سيرورتان متزامنتان. لا ينبغي على مستوى التعبير وصف اللغة بكونها علامة أو لباسا للفكر لما يفيده ذلك من اعتباطية العلاقة وانفصالهما كما ينفصل الدخان عن النار رغم كونه علامة عليها، والأجدر وصف اللغة بجسد الفكر أو شعاره لأن كلا منهما محتوى في الآخر: فالمعنى يؤخذ من الكلام؛ أو كما تقول اللسانيات البنيوية مع كريستيفا مثلا، فالمعنى لا يوجد خارج شبكة التقابلات والاختلافات التي تجمع بين الكلمات المنتمية لنسق لساني ما. بل إن الكلام يملك قوة للدلالة خاصة به، بدليل أن المعاني الجديدة تظهر دائما بمناسبة اشتقاق ألفاظ أو تراكيب أو تعابير جديدة كما يفعل الأدباء. إن فاعلية الإنسان الذهنية والمعرفية تتعامل مع الكلمات أكثر مما تتعامل مع الأفكار وإلا لماذا يتذكر الإنسان كلمات وجملا على نحو أيسر مما يتذكر أفكارا بل إن استدعاء هذه يتطلبأولا استدعاء تلك؟ وبعبارة أخرى فالكلام هو الوجود الخارجي للمعنى وحضور الفكر داخل العالم المحسوس مثلما أن الفكر هو التمظهر الداخلي للكلام، وليس التفكير الصامت كما يعتقد البعض، إنه بالأحرى ضجيج خافت من الكلمات. وهذا ما أكدته الدراسات العلمية الحديثة في مجال فيزيولوجيا الدماغ. لقد وجد أن الباحات المسؤولة عن الكلام تنشط (أي تصدر إشارات كهروميغناطيسية) حتى عندما يفكر المرء في صمت. هكذا ينتهي ميرلوبونتي إلى التوحيد بين اللغة والفكر باعتبارهما وجهان لنفس السيرورة المعرفية، رافضا التصورات الفلسفية القائمة على ثنائيات اللغة/الفكر أو الخارج/الداخل.
يؤكد ميرلوبونتي وحدة اللغة والفكر متسائلا: لماذا تكون الذات المفكرة نفسها في حالة عدم معرفة بأفكارها مادامت لم تعبر عنها ولو لذاتها؟ وبالتالي فالفكرة التي تكتفي بأن توجد بذاتها خارج نسيج الكلمات ستسقط في اللاوعي بمجرد ماتظهر. ومن ثم فنزوع الفكر نحو التعبير ليس نزوعا بعديا، بل هو نزوع صميمي نحو الوجود والاكتمال.
ويرى دوسوسير بأن الفكر بمعزل عن الكلمات لا يعدو أن يكون سديما أو عماءا ضبابيا أي كتلة غير متميزة. لذلك يتعذر التمييز بين فكرتين أو معنيين كالاحترام والتقديس مثلا دون الاستعانة بالوحدات اللسانية المقابلة لهما. مما يسمح بالقول إن الفكر كتلة متصلة ممتدة لا يمكن أن نتبين منه شيئا ما لم يتجزأ وينقسم وفق الوحدات اللسانية أي الكلمات، فهناك إذن علاقة جدلية، الفكر واللغة فيها أشبه بوجهي ورقة النقد لا يمكن تمزيق وجه دون المساس بالآخر. ثم ماذا لو سألنا أنفسنا : مالفكر؟ إنه ما تنتجه فعالية التفكير؟ وماالتفكير؟ إنه من الوظائف العليا للدماغ وهو مفهوم يجمع سيرورات جزئية كثيرة: كالتذكر والتحليل والتركيب والمقارنة والترتيب والتجميع والتمييز والربط والفصل...إلخ. ومن البين أن هذه السيرورات والعمليات المجردة غير ممكنة بدون أدوات رمزية هي الوحدات اللسانية.
كل ماسلف يؤكد العلاقة الجدلية وعلاقة التزامن لا الأسبقية بين اللغة والفكر. وقد عبرت عن ذلك اللغة اليونانية بأن أطلقت لفظة اللوغوس Logos على اللغة والعقل معا. ولكن هل تجيز هذه الدلائل الإسراع بإعلان أن حدود الفكر هي حدود اللغة ؟ وأنه حيث تتوقف هذه يتوقف ذاك؟
ينبغي التروي، إذ توجد دلائل أخرى كثيرة على امتداد الفكر خارج دائرة اللغة وأبعد من حدودها: منها لجوء العلماء إلى اصطناع لغات رمزية للتعبير عن العلاقات أو الوقائع التي يكتشفونها، ومنها تجاربنا الوجدانية التي تبلغ أحيانا من الخصوصية والحدة درجة يستحيل معها كل تعبير لغوي ، فيما يمدنا المتصوفة بدليل آخر من تجاربهم الروحية: فما يعيشونه من أحوال وما تحصل لهم من مشاهدات وما يبلغونه من مراتب إيمانية يتجاوز بكثير كل الإمكانت التعبيرية للغة المتداولة من هنا لجوؤهم إلى الرمزيات أو إحجامهم عن التعبير. لقد رد هنري برغسون عجز اللغة هذا إلى منشئها نفسه: فهي أصلا أداة ابتكرها العقل المنطقي المنشغل بالتعامل مع المادة والاستفادة منها عن طريق تجزيئها وإخضاعها للقياس وتصنيفها ضمن مقولات عامة، طلبا للانتفاع والمردودية، ولا يمكن لمثل هذه الأداة أن تعبر عما هو وجداني خاص متصل غير قابل للتجزؤ وغير منطقي بالضرورة، عن تيار متدفق صفته أنه متصل كيفي أو "ديمومة". يقول برغسون: "كل منا يحب ويكره بطريقته الخاصة، وهذا الحب والكراهية يعكسان شخصيته بكاملها. إلا أن اللغة ترمز إلى هاتين الحالتين بنفس الكلمات لدى كل الناس، فلا تعبر من ثم سوى عن الجانب الموضوعي اللاشخصي في الحب والكراهية وآلاف العواطف الأخرى". إن الكلمات لا تأتي فقط غير متوافقة بل ومتأخرة أيضا، ففي ذروة الألم لا يملك الإنسان غير الصياح فقط، ولا يتكلم عن الألم ليصفه، أو ليصف ذكرياته ومخلفاته إلا بعد هدوئه أو زواله، لذا يقول ألفونس دوديه"لنتساءل في البداية عن مدى قدرة الكلمات عن التعبير عن الألم الحقيقي، إنها تأتي دائما متأخرة بعد أن يكون كل شيء قد عاد إلى سابق أوانه. إن الكلمات لا تعبر سوى عن ذكريات فهي إذن كاذبة عاجزة".
اللغة ليست مجرد أداة للتعبير عن فكر جاهز ومكتمل. إن التفكير والتعبير سيرورتان متزامنتان ومظهرانلنفس الوظيفة المعرفية المميزة للإنسان، دون أن يعني ذلك قدرة اللغة على استنفاذ غنى الفكر وإمكاناته المتعددة.
اللغة والسلطة
اللغة ظاهرة معقدة، مما جعلها تطال ميادين مختلفة ومتعددة كميدان السلطة والفكر والإيديولوجية والمنطق ... إلخ، ومع تطور الدراسات اللغوية الحديثة تأكد أن للغة ذاتها سلطة على النفوس والعقول وأنها تتضمن رؤية للعالم، وأن تحليل لغة السلطة يتعين أن يمر أولا عبر سلطة اللغة ذاتها، خاصة في مجتمعات مليئة بالكلمات والرموز والعلامات التي تداهم الفرد بواسطة وسائل الإعلام أو وسائل المعرفة المختلفة عبر أجهزة الإيديولوجيا والسلطة ذاتها.
لقد أصبح من المؤكد من خلال تصورات العديد من الفلاسفة أن هناك علاقة وطيدة بين اللغة والسلطة، حيث لا يمكن تصور لغة بدون سلطة أو سلطة بدون لغة، فإذا كانت اللغة فعل من أفعال السلطة حسب نيتشه على اعتبار أنها تبقى أداة في يد الأقوياء والمهيمنين للتصنيف بين القيم (الخير/الشر، النبيل/الحقير...)، فإنها مع ج.غسدورف تعمل على توجيه الإنسان ليندمج في التراتبية الاجتماعية، بحيث تفرض عليه الاستعمال الصحيح للكلمات داخل النظام الذي ينتمي إليه، وفي نفس الوقت تساعده على الخروج من ذاته والارتباط بالمحيط العائلي والانفتاح على العالم، فبسبب اللغة يضطر إلى التخلي عن حياته الداخلية والخاصة لمصلحة الوجود الاجتماعي الخارجي.
إن اللغة كذلك سلطة تشريعية وإلزامية قانونها اللسان، بفعل التكرار والاجترار الذي يطال الكلمات التي يتداولها الأفراد، إذ تحدد نطقنا وألفاظنا وتركيبنا اللغوي، لتصبح أداة للضغط ومعبرة عن الخطاب الإيديولوجي السائد في المجتمع. هكذا تكون اللغة في نظر رولان بارط تحت تأثير الطقوس والعادات وتحت ضغط الطابوهات وسيلة تخفي بها الذات المتكلمة ما تود قوله، أي أن الذات تتكلم في حدود ما يسمح به المجتمع. كما أن اللغة تحمل في ذاتها صيغة إلزامية تعمل على تأكيد وإثبات ما يجب أن ينطق به الفرد في إطار علاقته بين الأفراد في حدود ما تسمح به هي، ومن هنا لا تظهر قدرة الفرد الإبداعية إلا من خلال قدرته على الالتزام بقوانين النسق اللغوي وبهذا يصبح الإنسان عبدا للغة أكثر مما هو سيد لها.
وإذا كان دي سوسير يدرس موضوعة اللغة كموضوعة مستقلة، والفصل المطلق بين اللسانيات التي تقتصر على اللغة في باطنها وتلك التي تهتم بما هو خارج عنها، فإن بيير بورديو سيتوجه نحو دراسة اللغة في إطار مجالات استعمالها المتعددة والشروط الاجتماعية لاستخدام الكلمات.وحسب بورديو تبقى دراسة دي سوسير حبيسة البحث عن قوة الكلمات وسلطتها داخل الكلمات ذاتها، أي حيث لا وجود لتلك القوة ولا مكان لتلك السلطة. ليست سلطة الكلام إذن إلا السلطة الموكولة لمن فوض إليه أمر التكلم والنطق بلسان جهة معينة، أي أن اللغة تستمد سلطتها من الخارج وترمز إلى سلطة وتمثلها وتظهرها، فأي خطاب مرتبط بسلطة تتحدد بحدود التفويض الذي تسنده المؤسسة للشخص الذي ينتج ذلك الخطاب، فالأسلوب العلائقي اللغوي الذي تتميز به لغة القساوسة أو الأساتذة وجميع المؤسسات راجع بالأساس إلى المقام الذي يحتلونه في إطار سباق وتنافس هؤلاء الذين أسندت إليهم بعض السلطات. إن فحوى الخطاب وكيفية إلقائه في ذات الوقت يتوقفان على المقام الاجتماعي للمتكلم، ذلك المقام الذي يتحكم في مدى نصيبه من استعمال لغة المؤسسة واستخدام الكلام الرسمي المشروع، ومن ثمة فإن من فوض إليه أن يكون ناطقا باللسان، لا يؤثر عن طريق الكلمات ذاتها، بل يؤثر بالرأسمال الرمزي الذي وفرته الجماعة التي فوضت إليه الكلام ووكلت إليه أمر النطق باسمها وأسندت إليه السلطة. فالخطاب ينبغي أن يصدر عن الشخص الذي سمح له بأن يلقيه، أي عن هذا الذي عرف واعترف له بأنه أهل لأن ينتج فئة معينة من الخطابات وأنه كفء جدير بذلك (كالقس والأستاذ والشاعر...)، كما ينبغي أن يلقى في مقام مشروع أي أمام المتلقى الشرعي فلا يمكننا مثلا أن نلقي قصيدة سريالية أمام مجلس حكومي.
اللغة السلطوية ليست إلا الحد الأدنى للسان المشروع الذي لا يستمد سلطته من مجموع تغيرات النطق وكيفيات التلفظ التي تحدد النطق، ولا من تعقيد تراكيبه الصرفية وغناه اللفظي، أي من خصائص الخطاب ذاته، وإنما من الشروط الاجتماعية للإنتاج وإعادة إنتاج المعرفة بذلك اللسان المشروع والعمل على الاعتراف به داخل الطبقات الاجتماعي

الفلسفة السنة اولى باكلوريا الــمجتـمـع
تقديم:
يطلق مفهوم المجتمع على مجموع الأفراد، القاطنين في رقعة جغرافية محددة، والذين تجمع بينهم روابط معينة، تثبتها قواعد وضوابط ومؤسسات اجتماعية، ويكفلها القانون.
لا يستطيع الفرد، داخل المجتمع أن يخالف القواعد العامة للتعايش المشترك، أو ينحرف عنها، لأنه إن فعل ذلك، يعرض نفسه للعقاب، أو السخط أو اللوم. وهكذا تمارس القواعد الاجتماعية سلطة على الأفراد تتجلى في القواعد الإلزامية المفروضة عليهم ، وتسمى هذه السلطة بالقهر الاجتماعي. و يخضع المجتمع لمنطق الوعي الجماعي المستقل عن مجوع وعي الأفراد على حدة.
يرتبط ظهور المجتمعات البدائية بالنمو الديموغرافي للمجموعات البشرية بدءا بالأسرة مرورا إلى العشيرة والقبيلة ثم المجتمعات البسيطة وانتهاء بالمجتمعات المركبة.
  • فما هو أساس الاجتماع البشري: الطبيعة أم التعاقد؟
  • وما دلالة الفرد؟ وما علاقته بالمجتمع؟
  • ثم كيف يمارس المجتمع سلطته على الأفراد؟
أساس الاجتماع البشري
كيف نشأ المجتمع؟ وعلى أي أساس؟
بالنسبة لأولئك الذين يؤكدون على أولوية الجماعة البشرية على الفرد مثل أرسطو، وابن خلدون وهيجل...، يعتبر المجتمع البشري نتيجة طبيعية أملتها الضرورة على الإنسان بوصفه كائنا يحتاج إلى الآخرين من بني جنسه لتحقيق حاجاته.
يرى ابن خلدون، في تصوره المبدئي للعمران، أن المجتمع الإنساني ضروري ، وهو يقتبس القول المشهور الذي يجري على ألسنة الحكماء (القول الأرسطي) بترديدهم أن الإنسان مدني بالطبع أي لابد له من الاجتماع، ويلتفت ابن خلدون إلى الحقيقة الأزلية التي تتلخص في أن بقاء الإنسان على قيد الحياة مرهون بأمرين أساسيين هما:
· القوت أو الطعام الذي يحتاجه جسمه لكي يعيش وينمو،
· والدفاع الذي يقيه غائلة العدوان
وإن كلا من تحصيل القوت والدفاع يقتضي التجمع أو الاجتماع، والاجتماع يكون بين المرء وبني جنسه، ومن ثم كان طبيعياً أن يعرف بالمجتمع الإنساني.
وعلى نهجه في التوضيح والتفصيل والتحليل، يقرر ابن خلدون أن قدرة الواحد من البشر قاصرة عن تحصيل حاجته من الغذاء الذي يفترض أنه أقل قدر من الحنطة، وأن هذا القدر من الحنطة يحتاج إلى زرع وطحن وعجن وطبخ ، وأن الزراعة محتاجة إلى حصاد ودرس، والطحن والعجن والطبخ ومحتاج إلى مواعين وآلات لا تتم إلا بصناعات متعددة من حداد ونجار وفاخوري، ويستحيل أن تفي بذلك كله أو ببعضه قدرة الواحد، فلابد من اجتماع القدرات الكثيرة من أبناء الجنس الواحد، ولابد من التعاون بينهم لتحصيل الكفاية من الطعام.
ويخلص ابن خلدون إلى ضرورة المجتمع الإنساني لتحقيق الحصول إلى القدر الكافي من الطعام، وصناعة الأدوات التي تستعمل في الدفاع من رماح وسيوف...، فالإنسان وحده عاجز عن مدافعة الوحوش فلابد له من التعاون مع أبناء جنسه ليكون الدفاع مؤتيا ثماره. يقول ابن خلدون: "وما لم يكن هذا التعاون فلا يحصل له – أي الإنسان – قوت ولا غــذاء، ولا تتم حياته لما ركبه الله تعالى عليه من الحاجة إلى الغذاء في حياته، ولا يحصل له أيضا دفاع عن نفسه لفقدان السلاح، فيكون فريسة للحيوانات ، ويعالجه الهلاك عن مدى حياته ويبطل نوع البشر " ، هكذا وبتفكير سهل أقرب إلى العفوية ، وأسلوب سلس يربط ابن خلدون بين التعاون الإنساني في نطاق التجمع وبين فناء النوع البشري إذا حاد عن هذا السبيل. ولكن ابن خلدون يريد أن يصل إلى معنى العمران في نطاق من القول والفكر الأكثر تحديداً فيقول مستطرداًوإذا كان التعاون حصل له – أي للإنسان – القوت للغذاء ، والسلاح للمدافعة، وتمت حكمة الله في بقائه وحفظ نوعه ، فإذن هذا المجتمع ضروري للنوع الإنساني، وإلا لم يكمل وجودهم وما أراد الله من اعتمار العالم بهم واستخلافه إياهم، وهذا هو معنى العمران الذي جعلناه موضوعا لهذا العلم " .
أما بالنسبة لأولئك الذين يعتبرون أن المجتمع (الكل) هو مجموع الأفراد (مجموع الأجزاء) مثل روسو، لوك، هوبز... فمنشأ المجتمع عندهم يرجع إلى الاتفاق بين الأفراد، أو ما يسمى التعاقد الاجتماعي.
يرى روسو إن الإنسان قبل قيام المجتمع "المدني" كان يعيش في حرية كاملة واستقلال تام، ويفترض روسو إن الإنسان كان متوحشاً في الغالب لا يعرف أهله، ولعله لم يكن يعرف أولاده، ولا لغة له، ولا صناعة، ولا فضيلة، ولا رذيلة من حيث أنه لم يكن له مع أفراد نوعه أي علاقة يمكن أن تكون علاقة خلقية كان حاصلا بسهولة على وسائل إرضاء حاجاته الطبيعية ولم يصب إلا بالقليل من الأمراض قلما كان يحتاج إلى الأدوية لأن الصحة إنما تعتل بالإسراف في المعيشة وبالميول المصطنعة وما ينتج عنها من إجهاد جسمي وعقلي. يرى روسو أن الحرية هي التي تميز الإنسان أكثر من الفهم. كيف خرج الإنسان من هذه الحالة؟
اضطرت الظروف الإنسان إلى التعاون مع غيره من أبناء نوعه... تعاوناً موقتاً كان الغرض منه صيد الحيوان... ثم اضطرتهم الفيضانات والزلازل إلى الاجتماع بصفة مستديمة فاخترعت اللغة وتغير السلوك وبرز الحسد.
إن هذا الاجتماع يمثل، في رأي روسو، حالة الطبيعة الخالية من القوانين والردع. ولكن تطور حياة الإنسان واتساع ضروراتها أدى إلى نشوء حالة مدنية منظمة بالقوانين تثبت الملكية ويتوطد فيها التفاوت بين الناس. وهكذا يتحول الإنسان الطيب بالطبع إلى شرير بالاجتماع.لقد أصبح الاجتماع ضروريا ومن العبث العودة إلى حالة الطبيعة. وأصبح من الضرورة إصلاح مفاسده بإقامة حكومة الصالحة وتربية المواطنين الصالحين. وذلك عن طريق إيجاد مؤسسة تحمى بقوة المجتمع وتسمح بأن لا يخضع إلا لنفسه، وبأن تبقى له الحرية التي كان يتمتع بها من قبل.
لم تكن ملكية الأرض مضمونة بما فيه الكفاية. وكان لابد من إيجاد وسائل جديدة لحمايتها. وقد لجأ الأغنياء إلى الحيلة للإيقاع بالفقراء وقد ابتكروا، كما يقول روسو، أذكى خطة عندما قالوا للفقراء نتحد لكي نحمي الضعفاء من الظلم والجور، ونضع قوانين العدل والسلم وبدلاً من أن نستنفذ قوانا في الاقتتال نوحد أنفسنا في سلطة عليا وفق الشرائع الحكيمة... وهكذا قاد تأسيس الملكية الأرضية البشر إلى العقد الاجتماعي. كانت القوانين في البداية، على حد قول روسو، تفتقر إلى بعض الضوابط والمعايير الملزمة للأفراد وكان المجتمع بأسره يضمن احترامها والتقيد بها. لكن سرعان ما أوحى ضعف شكل الحكم هذا فكرة (توكيل أفراد معينين على الوديعة الخطيرة، السلطة العامة). هكذا ظهر الولاة المنتخبون، بما أن الشعب وحَّد إرادته جمعاء في مشيئة واحدة، فيما يتصل بالعلاقات الاجتماعية، فإن كل ما وضع موضوعاً لهذه المشيئة صار قانوناً أساسياً ملزماً لجميع أعضاء الدولة بدون استثناء. وهكذا نجد أن العقد الاجتماعي لا يتمخض، من منظور روسو عن تكوين المجتمع كتنظيم سياسي فحسب، وإنما يحدد أيضاً العلاقات المتبادلة بين الشعب وبين الذين انتخبهم لكي يحكموه.
لقد كان العقد الاجتماعي أداة إرادية تنازل بموجبها الأفراد عن حريتهم الطبيعية لصالح فرد آخر، وأذابوا إرادتهم الفردية في إرادة عامة مشتركة واتفقوا على قبول أحكام هذه (الإرادة العامة) كأحكام نهائية قاطعة، وكانت هذه الإرادة العامة هي السلطة صاحبة السيادة. إن ما يخسره الإنسان من جراء العقد هو حريته الطبيعية اللامحدودة، وما يربحه بالمقابل هو الحرية المدنية وهو تملكه لكل ما ملكته يده.
على هذا الأساس يكون المجتمع "المدني" ثمرة للتعاقد الاجتماعي، مثلما أن المجتمع الطبيعي ثمرة للضرورات البيولوجية.
الـفـرد والـمـجـتـمـع
ساهمت أراء روسو، و لوك، وهوبز، ومونتيسكيو، حول العقد الاجتماعي، بلورة مفهوم الفرد. ظهر مفهوم الفرد، كقيمة اجتماعية، أبان عصر النهضة بعد انهيار الإقطاع، ونشوء الطبقة البرجوازية ابتداءا القرن 15م. وتبلور مفهوم النزعة الفردية من خلال الأطروحات الفلسفية، التي بدأت تبتعد عن الأفكار التقليدية التي يمثلها المجتمع التقليدي، الممثل لنظام فكري وسياسي واجتماعي إقطاعي. وما عزز هذا النزوع نحو الحرية الفردية في أوروبا هو نشوء الليبرالية والديموقراطيات الحديثة بعد الثورتين الفرنسية والإنجليزية.
و في هذا السياق، يعتبر طوكفيل، وحتى ماركس، أن النزعة الفردية أو الفردانية فكرة حديثة المنشأ، و مرتبطة بالديموقراطية عند طوكفيل، وبالمجتمع البورجوازي عند ماركس. وقد أتاحت الفردانية للمواطنين الانعزال عن المجتمع (ما يسميه طوكفيل "كتلة الأشباه")، وبالتالي تأسيس العالم الأصغر الخاص بالفرد بعيدا عن إكراهات الأسرة أو العشير أو الطائفة أو القبيلة كما كان الحال قبل ظهور اللبيرالية. إن ما يميز النزعة الفردية، حسب طوكفيل هو:
· النظرة الانعزالية للذات والانغلاق التام خل العزلة الخاصة
· الاعتقاد في القدرة في التحكم في المصير
· الانفصال عن العلاقات العائلية والدموية والقرابية.
ينظر دوركهايم لعلاقة الفرد بالمجتمع من زاويتين مختلفتينفهو يرى يميز بين شكلين من المجتمعات:
· مجتمعات تخضع للتضامن الميكانيكي
· مجتمعات تخضع للتضامن العضوي
تتسم المجتمعات الخاضعة التضامن الميكانيكى بما يلى:
· حجم وكثافة سكانية ضعيفة
· تنظيم اجتماعي غير متمايز (تشابه بين الأفراد)
· قانون قمعي
· وعي جماعي يدمج الفرد جيدا في المجتمع
بينما مجتمعات التضامن العضوي تتصف بالاتي :
· حجم وكثافة سكانية عالية
· وظائف اجتماعية مختلفة جدا
· قانون تعاوني
· أفراد متحررين
يخضع الأفراد في المجتمعات ما قبل الصناعية لمبدأ الارتباط الداخلي، حيث يسود التضامن الميكانيكي الذي يربط الفرد بالجماعة ويشترط تحقبق إنسانسيته داخلها على اعتبار أن المجتمع أو الجماعة هما الغاية والمنتهى الطبيعي للإنسان. في المقابل، يخضع ألفراد داخل المجتمعات الحديثة لمبدأ التميز الوظيفي، حيث يتحدد كل فر د وفق انتمائه، ليس العرقي أو الديني أو الدموي أو القبلي...، وإنما، السوسيو-مهني أو السوسيو-اقتصادي، وذلك انسجاما مع مقتضيات الحياة الاجتماعية وأنماط تقسيم العمل.
الـمـجـتـمـع و الــســلـطـة
لكل مجتمع أسس، وقواعد، ونظم، وضوابط يقوم عليها.. تسهر على حفظها وضمانها وصيانة استمراريتها مؤسسات. وهذه المؤسسات نوعان: مؤسسات إيديولوجية ( المدرسة، وسائل الإعلام، التقاليد، الأعراف...) ومؤسسات قمعية (الدولة،الجيش، البوليس، ...). والمؤسسات، كما يدل عليها اسمها، هي كيانات أسسها الناس لتدبير الخلافات داخل المجتمع ولفرض السلطة المجتمعية.
يرى فرويد أن معظم الناس ينصاعون لسلطة المجتمع تحت ضغط الإكراه الخارجي وحده، وبالتالي كلما كان هذا الإكراه محسوسا إلا و فرض نفسه. فالأنا الأعلى هو معطى خارجي يفرض نفسه على الغرائز. إن التحليل النفسي هو تعبير عن الوعي بالقمع الاجتماعي للجنس.
يذهب فرويد إلى أن الدوافع اللطيفة البنّاءة و المليئة بالحب لدى الإنسان ليست أولية، بل نشأت بصورة ثانوية من ضرورة كبت دوافعه الخبيثة الأصلية و يرى أن الحضارة ما هي إلا نتيجة هذا النوع من الكبت إذ يعتقد أن الإنسان تتحكم فيه بالأصل دوافع شريرة و كلما نما المجتمع و تطور، إلا ومضى في إكراه الإنسان على أن يقمع و يكبت هذه الدوافع. يقول فرويد " إن كل فرد هو ... عدو للحضارة التي هي بالأساس لصالح البشرية قاطبة بوجه عام، و إنه مما يبعث على الاستغراب أن بني الإنسان الذين لا يحسنون الحياة في عزلة وعلى إنفراد يشعرون مع ذلك بوطأة اضطهاد ثقيلة بحكم التضحيات التي تنتظرها منهم الحضارة حتى تجعل حياتهم المشتركة ممكنة". فالحضارة عند فرويد قامت بشكل أساسي على مفهوم الكبت الجنسي. و لا يكفي للمحافظة عليها الاهتمام بالعمل التضامني لكون الأهواء الغريزية أقوى من الاهتمامات العقلية، لذلك على الحضارة أن تٌجنّد كل ما في متناولها لكي تحد من العدوانية البشرية عن طريق ردود أفعال ذات طابع أخلاقي إلزامي.
يقول فرويد " إذا كانت الحضارة تفرض مثل هذه التضحيات الباهظة لا على الغريزة الجنسية و حسب بل و على العدوانية أيضاً ، فإننا نفهم في هذه الحال فهماً أحسن لماذا يعسر على الإنسان غاية العسر أن يجد في ظلها سعادته " فكل حضارة مٌلزمة بأن تشيد نفسها على الإكراه و على نكران الغرائز. إن الحرمان هو نوع من القسر الذي تمارسه الثقافة لمنع الغرائز الإنسانية من الظهور و لبقاء الإنسان فوق الواقع الحيواني البدائي الذي كان يعيش فيه، فالأخلاق يعيشها الفرد عند فرويد أولاً على صورة تضحية أو عذاب. لذلك نجد بأن معظم الناس ينصاعون للنواهي الثقافية المتعلقة بكبت و قمع المتطلبات الغريزية العدوانية و الجنسية تحت الإكراه الخارجي والعقاب، لكن كيف يكون العقاب؟
حسب فرويد العقاب مزدوج: خارجي ممثل بالسلطة الاجتماعية و داخلي ممثل بالتربية الصارمة الاجتماعية التي يمثلها الأنا الأعلى. فالإنسان منقسم بين قواه النفسية التي تعبر عننفسها في داخل الفرد و من خلال علاقاته مع المحيط . و من هذا الجانب نلاحظ اغتراب الأنا وضياعه حيث يتعين عليه أن يخدم سادة ثلاثة متنازعين وأن يعيش تبعاً لذلك تحت تهديد خطر ثلاثي يتمثل جانب منه من العالم الخارجي، وجانب آخر من ليبيدو الهو و غرائزه، وجانب ثالث من صرامة الأنا الأعلى، و ما ينشأ عن ذلك من حصر و قلق عماده الانسحاب أمام الخطر. لذلك يرى فرويد أن حياتنا كما هي مفروضة علينا ثقيلة الوطء و تغل أعناقنا بكثرة كثيرة من المشاق و الخيبات.
ما هي نتائج الإكراه الاجتماعي؟
إن الإكراه الاجتماعي، حسب فرود يؤدي إلى:
- التحوا من الأنانية إلى الغيرية أي من الانغلاق النرجسي إلى قبول الغير وخلق علاقات معه.
- طاعة أكبر عدد من الأفراد للمجتمع وخضوعهم له
- القمع المتواصل لغرائز الأفراد، وما يصاحبه من ردود أفعال متوترة.
- تشوهات في شخصيات الأفراد واستعداده الدائم لإطلاق العنان لمكبوتاتهم في أية لحظة تغيب فيها الرقابة والسلطة المجتمعية.
إذا كان فرويد يرى أن المجتمع و الحضارة يقمعان الغرائز، فإن رالف لنتون يعتقد، في المقابل أن المجتمع يعمل على الاستجابة لحاجيات الأفراد، ويعمل كذلك على ترسيخ النماذج الثقافية من خلال عملية التنشئة الاجتماعية.
ويقصد بالتنشئة الاجتماعية مجموع عمليات التعلم التي عن طريقها يكتسب ويستدمج الفرد العادات والتقاليد والقيم والاتجاهات السائدة فى بيئته. وتتم من خلال الأساليب والطرق التي يتلقاها الأفراد منذ طفولتهم المبكرة في الأسرة والمدرسة ومع الجماعات. تلك الأساليب التي تتفق مع الثقافة السائدة في المجتمع.
بعتبر رالف لنتون أن عملية التنشئة بالمعنى السابق تتم عبر "طعم الإشباع". فالمشرفون على التنشئة الاجتماعية يقدمون للفرد إشباعا مباشرا لغرائزه وحاجاته، وفي الوقت نفسه، يمررون له العادات والسوكات والمعتقدات... فالفرد يشبع جوعه عندما يقبل على الأكل لكنه يتعلم أسليب وطرق الأكل ممن هم أكبر منه.
إن المجتمع ليس اضطهادا وتعسفا، بل هو مؤسسة ظهرت لتحل المشاكل التي عصفت بالإنسان عندما كان يعيش وحشيته في حالة الطبيعة. لقد فقد الإنسان حريته المطلقة عندما دخل المجتمع، لكنه ربح الأمن والاستقرار والحضارة والتقدم والرقي. ولكن ما كان للمجتمعات البشرية أن تصل إلى ما وصلت إليه لو لم يكن المجتمع ساحة للصراع والتفاعل التاريخي بين مختلف مكوناته.

الفلسفة السنة اولى باكلوريا
العلم والـتقنيـة
تقديم:
ترتكز حياة الإنسان المعاصر على الآلات والمعدات التقنية ، تلك «الكائنات المألوفة الصامتة والخفية» ، التي بفرط اعتماد الإنسان عليها واستخدامه لها باستمرار أصبحت تشكل جزءا من وجوده حتى أن التفكير في الظاهرة التقنية ودلالاتها وأبعادها ومختلف آثارها قد تعطل وغاب خلف مظاهرها المتمثلة في جيش من الآلات والمعدات التقنية المحيطة بنا.فإذا كان «الإنسان كائنا صانعا»، فهل صنع الأدوات والآلات التقنية من خصائصه أم انه عبارة عن تحول جوهري في وجوده ؟ ثم ألا يمكن القول بأن وثيرة حركة الإنتاج التقني واستهلاكه قد خرجت من طوع الإنسان بل وأصبحت هي التي تتحكم فيه؟ ألا يمكن أن يكون لهذا الانقلاب في علاقة الإنسان بالتقنية تأثير وانعكاس على مختلف علاقاته: بنفسه وبالآخرين وبالطبيعة ؟ وقبل هذا وذاك ما هي التقنية ذاتها ؟
يعرف معجم لالاند التقنية بأنها « مجموعة من العمليات والإجراءات المحددة تحديدا دقيقا، والقابلة للنقل والتحويل والرامية إلى تحقيق بعض النتائج التي تعتبر نافعة » التقنية هي: أولا، عمليات وإجراءات محددة بدقة وهادفة إلى تحقيق غرض معين وجدت من أجله، وهي ثانيا ، قابلة للتعليم والتعلم والتطوير والتداول والانتشار داخل وسط ما ومن هنا طابعها الاجتماعي. وهي أخيرا ، تحقيق لأهداف عملية نفعية معينة ، بمعنى أن التقنية ليست ترفا بل هي سد لحاجة أو نقص ما لدى الإنسان ، ومن هنا نفهم القول المأثور «الحاجة أم الاختراع».
فإذا كان الإنسان قد حول الطبيعة بالتقنية إلى تقنية أي حول الطبيعة إلى منتوجات وآلات تقنية استعان بها على تحويل الطبيعة لإنتاج ما لا تستطيع أن توفره من ذاتها فإنه قد تحول هو نفسه إلى كائن ثقافي يعيش وسط الآلات وبها ومعها ولربما قد يعيش لها…
وفي إطار تحديد التقنية لا نرى بدا من التمييز بين الأداة Instrument والآلةAppareil: فالأداة منتوج المجتمعات الحرفية ، وهي عبارة عن امتداد لجسم الإنسان (كالفأس والمطرقة والمنجل…) إذ أنها تتيح ليد الإنسان استعمالات وإمكانيات عدة ، ولكن تشغيل الأداة يبقى موقوفا على طاقة جسم الإنسان . أما الآلة فهي منتوج المجتمعات الصناعية ، وهي حتى وإن كانت امتدادا لجسم الإنسان-إذ أنها تسد النقص والعجز الذي يعاني منه- فإنها تتمتع بنشاط شبه مستقل عن الجسم إذ لها حركة ذاتية ناتجة عن تحويلها للطاقة كقوة طبيعية (كالآلات البخارية مثلا).
وقد أبرز معظم الفلاسفة والأنتربولوجيين أن البعد التقني سابق أو على الأقل ملازم للبعد المعرفي في الإنسان، وأن الإنسان نفسه كائن صانع قبل أن يكون كائنا عارفا، بمعنى أن المهارات العملية للإنسان سابقة بل متفوقة على مهاراته النظرية أو المعرفية.
وإذا كانت التقنية قد تطورت عبر تاريخ الإنسانية تطورا بطيئا عبر عشرات القرون: الحجر، الحديد، البروز، فإنها أخذت تتحول نوعيا من التقنية اليدوية إلى التقنية الممكنة مع ظهور العلم الحديث ابتداء من القرن السابع عشر في أوربا حيث تلاحقت الثورات التقنية تباعا: الثورة البخارية، المحرك الانفجاري، اكتشاف الكهرباء ونتائجه، الثورة الإلكترونية، المعلوميات، الثورة الجينية وهي تحولات تحكمها معايير التسارع والميل إلى الاستقلال الذاتي والكونية والتطور العلمي بعيدا عن أي منظور غائي، وذلك في إطار تصور جديد للعلم ذاته الذي لم يعد كما كان في العصور القديمة معرفة نظرية شاملة متقابلة مع التقنيات كصناعات وممارسات علمية، بل في منظور أن العلم أصبح مرتبطا عضويا بالتقنية. إلا أن التطور الهائل للتقنية الحديثة وكشوفاتها وقدراتها التي جعلت الإنسان يحقق ما كان يحلم به عبر السحر والميتولوجيا في القديم سواء في استكشاف الأبعاد اللانهائية للكون الكبير وفي الأبعاد اللانهائية للأكوان الصغرى في المادة الجامدة والمادة الحية أو في السعي إلى التحكم في بعض مظاهر الحياة عبر التلقيح الاصطناعي أو الاستنساخ وغيره كل ذلك بدأ يطرح تساؤلات للمقارنة بين إيجابيات التقنية وحدود سلبياتها، وحول كيفية ضبط تطورها قانونيا وأخلاقيا حتى لا تتجاوز حدود المعقول الأخلاقي.
· كيف يمكن تحديد مفهوم التقنية؟ ولماذا تعتبر خاصية إنسانية؟
· ما العلاقة بين التقنية والعلم؟ ما هي الآثار الناتجة عن هذه العلاقة؟ هل تعمل التقنية خلف كشوفاتها الإيجابية وتحولاتها النوعية آثارا سلبية تهدد الإنسان والطبيعة؟
· ما نتائج تطور التقنية على وجود الإنسان؟ لماذا تحولت إلى قوة مسيطرة على مصير العالم؟
التقنية خاصية إنسانية
أطروحة أوسولد شبنغلر
في نظر شبنغلر، هناك بعدان اثنان للحياة الإنسانية: بعد حيواني (حيوي، إحيائي، بيولوجي)، وبعد إنساني (حياتي، تأملي، تخطيطي). والتقنية ليست وسيلة هدفها صناعة الأدوات والآلات، بل هي خاصية تتجاوز البعد الإنساني لحياة الإنسان وتدخل في قلب البعد الحيواني لحياة الإنسان. وهذه الخاصية المسماة "تقنية" هي نمط وجود قديم يرجع في أصله إلى أزمنة غابرة من الصعب تحديدها من الناحية التاريخية. ويقوم هذا النمط الوجودي للإنسان على إستراتيجية وخطة، تتجاوز الحفاظ على الذات والاستمرارية، للصراع مع الطبيعة من خلال الخلق والإبداع والتغيير والابتكار والسيطرة... التقنية حسب شبنغلر هي "الشكل الداخلي الذي يعتبر الصراع مظهره الخارجي".
وعلى هذا الأساس، تفهم التقنية على أنها العلة التي دفعت الإنسان إلى الابتكار والاختراع والإبداع، ولا تفهم على أنها المنتج في حد ذاته. يقول شبنغلر: "إن ما يهم ليس هو شكل الأشياء، ولا كيف نصفها، ولكن ما نفعله بها، وكيف نستخدمها. فما يهم، ليس السلاح بل الحرب...التقنية هي مسألة سلوك مهتم وهادف، وليست أبدا أشياء وموضوعات، وهذا بالضبط ما يتم نسيانه... إن كل آلة ... تدين بوجودها إلى التأملات والاستباقات الخاصة التي تحرك هذه السيرورة".
من الواضح أن التقنية عند شبنغلر ليست أجهزة أو آلات أو مخترعات، بل هي تأملات واستبقات وأفكار دفعت الإنسان إلى أن يخترع و يبتكر ويبدع. الأصل في التقنية هو التأمل والتفكير وليس النتيجة. فالنتيجة متغيرة متبدلة، أما الفكرة الأم فهي ثابتة مستقرة وهي الفكرة التقنية. فعلى سبيل المثال الهاتف المتنقل بأشكاله وأنواعه وطرازاته المتعددة والمتغيرة ليس "تقنية" بل التقنية هي فكرة الاتصال عن بعد. وهذه تدخل في صميم حياة الانسان منذ الأزمنة الغابرة دون أن نعرف منشأها التاريخي. بهذا المعنى عبارة "نمط وجود واستراتيجية استباقية للحياة" عند شبنغلر.
أطروحة هايدغر
انتقد هايدغر اتكاء المجتمعات الحديثة على خطاب مضمر قوامه إعطاء مكانة مركزية العلم والتكنولوجيا. واعتبر ان ذلك الخطاب لا يستطيع حل معضلات الحضارة الانسانية، ولا يصلح كأساس للفكر الانساني، لان جوهر التقنية لا يكمن في التقنية، بل في "المحمولات المضمرة" فيها. وذهب إلى القول إنّ جوهر ما يُسمى بالخطاب العلمي لا ينبع من العلم، ولا يستطيع ذلك، بل يعبر عن موقف ميتافيزيقي للعقل الانساني يقدم العلم بصفته وعداً بسيطرة الانسان على العالم.
حاول هايدغر أن يضبط التقنية وفباغثها في لغز ماهيتها التي ما تزال تغلفها الأسرار. واعتبر أن هذا التمثل التقدمي التصاعدي لتاريخ العلوم هو مجرد "حكاية غير محبوكة". فليس العلم الحديث في تقدم بالنسبة للمعرفة القديمة بقدر ما يضع محلها منظورا يختلف اختلافا جذريا بفضل "المشروع الرياضي للطبيعة" الذي نادى به ديكارت على غرار غاليليو، والذي يرى أن "الطبيعة تعمل رياضيا". يقول هايدغر في الدروب "حتى كون الإنسان غدا ذاتا وكون العالم غدا موضوعا ما هو إلا نتيجة لماهية التقنية وسيادة مملكتها وليس العكس".
ميز هايدغر بين التقنية قديما وحديثا. فالطائرة الورقية مثلها مثل الطاحونة المائية، تبقيان خاضعتين للطبيعة : إذا لم يكن ثمة هواء أو ماء، لن تعملا. أما الصاروخ أو المحطة النووية فيعملان في كافة الأوقات، يقيمان مبدأهما خارجا عن الاحتمالات، ولا يتعلقان إلا بالحساب والقرار البشري. إن التقنية الحديثة قادرة على استخدام الطبيعة ضد الطبيعة، والإنسان ضد الإنسان. يقول "هايدغر" : "التقنية تأمر الطبيعة ، أي أنها تخضعها للعقل الذي يقتضي من كافة الأشياء أن تبين تعليلها، أن تصوبه". إنها إذن نوع من تحدي الطبيعة، وبالتالي ليس المقصود فقط إجراء عمليات في الطبيعة باستخدام الطبيعة " فما دمنا نتمثل التقنية كأداة سنظل مشدودين بالرغبة في السيطرة عليها. إننا نبقى خارج جوهر التقنية".
إن ماهية التقنية متعلقة مباشرة بالإنسان ونزوعه إلى الفهم. فليس ما يلتمسه الإنسان في الطبيعة هو مساعدة مادية وحسب، بل مساعدة ميتافيزيقية: إننا نطلب من الطبيعة أن تسلمنا حقيقتها التي بدونها يظل وجودنا فقيرا وخاضعا."
فالتقنية هي بالتالي شيء أخر مختلف عن "العلوم الطبيعية التطبيقية ". إنها تظهر غاية أساسية هي أن تقود إلى الحقيقة، الكائن المختبئ في الطبيعة. إنها طلب موجه إلى الطبيعة كي تسلم أسرارها وقواها العميقة. "إن التقنية تكشف ما لا يحصل من تلقاء ذاته وليس أمامنا الأمر الذي قد يأخذ تارة هذا المظهر أو هذه الصيغة، وطورا غيرهما".
هكذا نفهم ما يميز التقنية الحديثة عن القديمة: لم تكن العلوم الدقيقة متوافرة لدى التقنية القديمة، والكشف الذي كانت تقوم به كان محدودا واتفاقيا ولم يكن يتبع منهج التجميع المتواصل الذي يميز ما نسميه التقدم التقني. لكن التماس الطبيعة الذي تقوم به التقنية الحديثة منظم وملح."إن التطور الذي يسود التقنية الحديثة هو تحريض يخطر الطبيعة لتسلم طاقة يمكن استخراجها وتجميعها". هذا الطلب الموجه بإلحاح إلى الطبيعة لم يعد يتعلق بحاجة معينة، إنه يزج الأرض بأكملها والبشرية بأكملها في مسار كشف وترشيد ومردود يكون شبكة متضامنة. فالتقنية تبدو لـ"هايدغر" كشكل من أشكال الولوج الى الحقيقة والى السيطرة وليست ككيان خارجي، مستقل ومهدد وغالبا ما يبطل أو يلغى. التقنية التي تدرك جيدا تجرنا "في ندائها المحرر".
العــلـم والـتـقـنـيـة
يشير العلم إلى مجموع المعرف النظرية المتصلة بحقل معرفي معين: الرياضيات، الفزياء، الفلك...
وتحيل التقنية، في الاستعمال المتداول، على التطبيقات العملية للمعارف العلمية: الاستنساخ، المفاعلات النووية، الطاقة الحرارية...
وتمثل التكنولوجيا علم تطبيق المعرفة، أو العلم التطبيقي، أو مجموع المعارف المقرونة بالأساليب العلمية التطبيقية.
كانت الفلسفة اليونانية في صورتها الأفلاطونية والأرسطية تقيم تقابلا بين العلم كمعرفة نظرية شاملة، وبين التقنية كصنعة وممارسة عملية، وضرورة وأشياء عارضة، حسية وطارئة. لكن ابتداء من عصر النهضة الأوربية الحديثة خفت حدة التقابل بينهم، إذ عد العلم معرفة بعلل الظواهر وقوانين حدوثها، وأضحت التقنية هي مجموعة من العمليات والإجراءات الرامية إلى التحكم في نتائج العلم واستخدامها وتطبيقها، إلا أن هذا لم يمنع من معرفة نظرية خالصة في حين أن التقنية هي معرفة تطبيقية. لكن هناك اتجاه فلسفي آخر يرى أن العلم نفسه تقني في جوهره وتصوره فهو استجابة للتقنية وامتثال لها.
لقد ربطت الثورات العلمية الحديثة بين العلم والتقنية ربطا وثيقا لم يعد معه بالإمكان التمييز بين العلم والتقنية. لم يعد التطور العلمي كامل الاستقلال بل استطاعت التقنيات إحداث تطورات علمية معينة، وليس من المستحيل الاعتقاد بأن بعض أشكال الرياضيات أو الفيزياء الحديثة كانت نتيجة اهتمامات تقنية. يرى عبد السلام بنعبد العالي مثلا أن الفيزياء الحديثة ليست فيزياء تجريبية يتم تطبيقها على الطبيعة قصد الاستحواذ عليها والسيطرة انطلاقا من تطبيقاتها ولكن الفيزياء نظرية خالصة تجبر الطبيعة على إظهار تلك القوى القابلة للحساب الرياضي والخاضعة للتجريب، فالآلة ليست مجرد وسيلة يعتمدها الإنسان في استغلاله للطبيعة بل تحمل في نظامها معرفة علمية متجددة أعطت لمفهوم الآلة معنى جديدا يتجلى في "المعرفة التي تمتلكها الآلة في ذاتها"، وعن طريق الممارسة اتخذت شكل الآلة في التطبيق الخارجي للمعرفة الرياضية. إنها المعرفة التي أصبح فيها الوجود ذا طبيعة رياضية و مكنت الإنسان من السيطرة على الطبيعة وامتلاكها، فالإنسان سيد الطبيعة مالكا لها.
أما سيرج موسكوفيتشي فيعترف أنه: "لم يعد بمقدورنا التفكير في أنه بإمكان المهندس أن يحل مختلف المشاكل... إذا لم يكن متمرسا باستخدام الآلات والتقنيات الميكانيكية". فالهندسة، التي كانت تقنية وأصبحت علما تفترض بالمهندس أن يكون ملما بمبادئ الجبر(الحساب)، وبمبادئ الهندسة، ومعرفة الأوزان والأحجام... وكل هذا يستلزم حضور الرياضيات والحواسيب لأجل إنجاز التصاميم والخطاطات وحساب الأبعاد... أي تضافر العلم النظري والتقنية التطبيقية.

إن العلوم والتقنيات، بعد الثورات الأساسية في القرن 20م، قد هدمت الحواجز بينها وأصبحت العلاقة بين العلوم علاقة ديناميكية إذ انتهى عهد التجزيء والاختزال والتخصصات المنغلقة، وانطلق عهد التضافر، ويصعب اليوم أن يكون العالم عالما من غير أن تكون لديه معرفة عامة ودنيا بالتقنيات والعلوم الأساسية. فعلى سبيل المثال أدى الكم الهائل للجينات المكتشفة في علم البيولوجيا، خلال مرحلة معينة، بالعلماء إلى اليئس من إمكانية حل شفرة ملايين الجينات. هذه الصعوبة التي واجهت البيولوجيين، دفعت بعلماء الحاسوب إلى تطوير قدرات الحواسيب لجعلها قادرة على ترتيب الجينات بطريقة ميكانيكية وسريعة وفعالة.

وبهذا تحولت التكنولوجيا إلى ظاهـرة اجتماعية متكاملة ومعقدة محورها الإنسان. فسيرورة التكنولوجيا ترتبط بعوامل مجتمعية متداخلة ومركبة، كما وضح ذلك إدغار موران. فالعلم يتحكم في المادة بواسطة التجريب. والتجريب يستلزم تقنيات. والتقنيات تتسارع في التقدم والتغير اللامتناهي... وهكذا تحتل المؤسسات العلمية مكانة مهمة داخل المجتمعات التي تدعمها بالأموال وتوجهها وتراقبها عن طريق قوانين الإقتصاد. يقول موران: "... التقنيات التي ينتجها العلم تحول المجتمع، ولكن المجتمع التكنولوجي يحول العلم نفسه. وتلعب المصالح الاقتصادية الرأسمالية ومصالح الدولة دورها الفعال في هذه السيرورة".
نتائج تطور التقنية
من الملاحظ أن للتقنية تأثيرا كبيرا ليس فقط على الواقع المادي للإنسان بل حتى على ذاته وطريقة تفكيره، حيث يقول عالم الاجتماع الفرنسي جورج فريدمان "إن أسس نظرتنا إلى العالم أصابها اليوم انقلاب وتحول، لأن التقنيات الجديدة بدلت إدراكنا للأشياء".
وبالرجوع إلى كتابات فلاسفة القرن السابع عشر سنلاحظ أنها تغص بخطابات تحتفي بالآلة والتقنية، فديكارت في كتابه "مقال في المنهج" يرى أن المعرفة التقنية تمكننا من جعل الكائن الإنساني "سيدا ومالكا للطبيعة".
وفرنسيس بيكون في "الأورغانون الجديد" يرى أن الإنصات إلى الطبيعة وملاحظة ظواهرها وتأسيس المعرفة العلمية بنهجها الاستقرائي، يهدف إلى الانتصار على الطبيعة! حيث ينتهي بيكون إلى قول مشابه لما عبر عنه ديكارت، ويرى هو أيضا في التقنية وسيلة لتسييد الإنسان على الطبيعة وسيطرته عليها.
لكن بعد هذا الاطمئنان إلى التقنية بوصفها أداة وسلاحا يخدم الإنسان، تحولت نظرة الفكر والفلسفة الغربية وانقلبت موازين التقويم من التقريظ البالغ إلى الهجاء الشديد.فالحلم الديكارتي القاصد إلى جعل الإنسان سيدا على الطبيعة، سينتقده بشدة الفيلسوف الألماني هيدغر الذي سيعلي من شأن باسكال على ديكارت، أي الإعلاء من شأن القلب والعاطفة على خطاب العقلانية الديكارتية المتوحشة التي تنظر إلى الطبيعة من معيار رياضي فتحولها إلى موضوع للسيطرة والاحتواء. وضد هذه الرؤية الديكارتية ستنطلق رؤى جديدة في الفلسفة الغربية تعيد التفكير في الظاهرة التقنية بمختلف تجلياتها. ويمكن القول إذا كان منطلق الديكارتية هو تسييد الإنسان على الطبيعة من خلال إبداع الآلة والتقنية، فإن المفارقة التي تبدت خلال صيرورة تطور الظاهرة التقنية، هي أن الإنسان سقط تحت سيطرة أخرى أخطر من سيطرة الطبيعة عليه، إنها سيطرة الآلة ذاتها!
وفي هذا السياق، انتقد كثير من الفلاسفة المسار الحديث للتقنية:
1- يرى ماركس أن كل الأشياء تبدو جلية وواضحة من خلال نقيضها، وهكذا فإذا كانت التقنية تحمل ي ذاتها إيجابيات وتبهر الإنسان وتملك قدرة إيجابية في اختصار الوقت وتحد من ساعات العمل عبر الآلات المختلفة فإنها في الوقت نفسه تسبب الجوع والإنهاك المفرط، لتتحول الثورة التقنية إلى مصدر البؤس، فأصبح كل انتظار تقني ثمنه انحطاط معنوي.ومن خلال مفهوم الاستلاب فإن ماركس يؤكد أنه بقدر ما فتئ الإنسان يصبح سيدا وممتلكا للطبيعة بقدر ما تمارس عليه الآلات والقدرات التي يمتلكها استلابا ويتحول إلى عبد لهاته الآلات التي يمتلكها. إن التقنية حسب ماركس تستدعي استغلالها والتحكم فيها من طرف أناس جدد غايتهم تحويلها إلى وسيلة لنفع المجتمع لا لممارسة الاستلاب والاضطهاد.
2- يؤكد هيدغر أن الإنسان لم يعد يسيطر على الآلة، بل أصبحت الآلة مهيمنة ومسيطرة عليه. وبالتالي فالحلم الديكارتي بجعل الإنسان سيدا عبر التقنية استحال إلى النقيض، أي حوله إلى عبد. ولذا من حق التأمل الفلسفي المعاصر أن ينظر إلى التقنية بوصفها خطرا وفخا مخيفا صنعه الإنسان بنفسه ثم سقط فيه. والمفارقة أن الإنسان الذي يعرف آليات وطرق صنع هذا الفخ لا يعرف طرق الخروج منه، إذ يستحيل عليه إرجاع الزمن إلى الوراء، ومحو المعرفة التقنية من العقل والواقع البشريين، بل أكثر من ذلك يبدو أن التقنية تتحرك وتتطور خارج إرادة الإنسان وسيطرته، فهي ليست مجرد أداة يستخدمها كيفما يريد لأنها من حيث الماهية ليست مجرد أداة، بل هي نسق من المعرفة ومنظومة من الآليات التي تستبطن عوامل تطورها داخلها على نحو مستقل عن إرادة الإنسان. ولذا عندما يبدع الكائن الإنساني تقنيات معينة، فإنه يخضع عندئذ للسائد التقني. فكل تقنية تولد ما يليها وتستخدم الإنسان لتقبل ذلك المولود الجديد. ومن ثم فالأداة هنا هو الإنسان نفسه الذي أصبح خاضعا "لإرادة" التقنية. ولقد تجلى هذا التطور خلال النصف الثاني من القرن 20م خاصة في سياق التنافس المحموم الذي حكم صراع الاتحاد السوفياتي بالولايات المتحدة أثناء عقود ما سمي "بالحرب الباردة"، حيث لاحظ الجانبان في النهاية أنهما سارا في طريق ملغوم لهما معا وللبشرية بأكملها. ذلك أن أفق التطور أخذ يرسل إشارات محذرة بسبب استمرارهما في البحث عن مزيد من تقنيات الدمار الشامل، إذ وصلا إلى يقين بأن أي حرب بينهما يستخدم فيها هذا النوع من الأسلحة لن تنتهي بمنتصر ومهزوم، بل الهزيمة والدمار سيلحقان الجانبين معا، بل سيلحق الكرة الأرضية بأكملها، ولذا ارتفعت بإلحاح الدعوة إلى وقف التسلح النووي والحد من أسلحة الدمار الشامل.
3- ويشبه آينشتاين التقدم التقني في فوضويته ولامسؤوليته الأخلاقية تشبيها جميلا ودالا حيث يقول "إن سلاح التقدم التقني يبدو مثل فأس وضعناه في يد مريض نفسي"، أي أنه في يد غير مسؤولة يمكن أن تخبط به في كل اتجاه، حتى ضد نفسها. فقد أخذت تلتمع الآن أمام البشرية تساؤلات رهيبة: كيف سيكون مستقبل الإنسانية إذا استمرت الأبحاث العلمية في تطوير تقنية الدمار؟ ألا يمكن أن يبسط هذا التطور إمكانات إبداع الدمار وتقنية القتل -مثلما هو دائما منطق التطور العلمي- حيث ينساق نحو تسهيل ما هو صعب وتبسيط إمكانيات إنجازه؟ ألا يمكن أن تكون القنبلة النووية غدا في إمكان عالم فيزياء أن يصنعها في مختبره الشخصي؟ ومن ثم يكون بإمكانه في لحظة جنون أو انفعال أو غضب أن يضع نهاية مدينة بأكملها أو دولة أو قارة، أو حتى تهديد كوكب الأرض كله؟ ووقتئذ هل سيكون ثمة معنى لهذه الرقابة الدولية على الدول المستضعفة كي لا تمتلك السلاح النووي أو وقف تطويره؟ وإذا كان من الصعب مراقبة الدول فكيف يمكن مراقبة ملايين الأفراد داخل مختبراتهم؟ وهذا ما دفع بعض الفلاسفة والعلماء إلى المناداة بتوقيف البحث العلمي أو على الأقل التحكم فيه!!
4- انتقد ميشيل سير المسلك الذي سار عليه العقل الغربي وذلك باتخاذه التقنية كوسيلة للتحكم في الطبيعة، وهذا الأسلوب أدى بدوره إلى تحكم التقنية نفسها في الإنسان والطبيعة معا، فتحولت من مجرد أداة لتحكم الإنسان في الطبيعية إلى عنصر يهدد كيانهما ووجودهما معا. وخطورة هذا التحكم أنه ذو بعد كوني وعالمي وشامل. فلا خيار أمامنا إلا إعادة النظر في علاقتنا بالأشياء التي أصبحت تسودها علاقة التملك والتحكم عن طريق إيجاد السبل الكفيلة للخروج من هذا الإشكال العويص. والسبيل إلى ذلك هو تحكم جديد بديل عن التحكم الحالي المستمد أصوله من الديكارتية الحديثة.
5- في كتابه "الإنسان ذو البعد الواحد" الصادر عام 1964، يحذر ماركوز من خطر التقنية التي تسير باتجاه إخضاع الإنسان والسيطرة عليه. توسع التقنية أسباب الراحة أمام الحياة، كما تسرِّع من إنتاجية العمل وتحسنه. تتحدى التقنية الإنسان، وتبرهن استحالة أن يعيش مستقلاً أو منفرداً أو معزولاً عنها. تصير التقنية ضرورة من ضروراتها. لا يستغني الإنسان عن العيش بدونها. لذلك فهي تسيطر عليه وتخضعه لها. وهو ما يسميه ماركوز بالإخضاع المكثف. إنه الخضوع للآلة ولأسياد الآلة المتحكمين بها. في هذا الـ(لا استغناء)، تغيب حرية الفرد ويصير الخضوع واللاحرية أمراً مشرعاً. يقول ماركوز "ما أحاول أن استخلصه هو أن العلم قد رسم صورة العالم. وفيه بقيت السيطره على الطبيعة مرتبطة بالسيطرة على الانسان". لقد نجحت التقنية في أن تصنع إنسانا على مقاسها الخاص، كما يظن ماركوز، وأفقدته أن تكون له ميزات خاصة به. فجعلت منه إنساناً مقلدا، مستهلكا، متماهيا معها.
6- يرى موسى الخلف، من زاوية تخصصه في الهندسة الوراثية، التي شهدت منذ فترة قصيرة تطورا هائلا، جعلنا نطرح سؤالا حول مدى انعكاسها على المستوى الأخلاقي للفرد، وعن نتائجها السلبية على الإنسان والطبيعة معا،- أنه رغم الطابع الإيجابي لهذا التقدم التقني على مستوى الهندسة الوراثية، إلا أن لها طابع سلبي يتمثل بالأساس في كونها وسيلة في يد بعض الأشخاص أو الشركات أو الدول للتحكم لتحقيق الربح ال
الفلسفة السنة اولى باكلوريا
مقدمة:
تحيل كلمة فن مباشرة إلى الفنون الجميلة (الرسم، الغناء، الرقص، العزف، التمثيل...). كما تستعمل الكلمة كمرادف ل"تقنية" فالفن ينطوي على "تقنيات" أو ممارسات عملية. ولهذا نسمع عبارت من قبل "الجانب الفني"، فنون الطبخ"، فنون الحرب والقتال"... ويرتبط الفن بالجمال، فالإنسان يتميز عن غيره من الكائنات بحسه الفني وذوقه الجمالي. كما أن التاريخ الإنساني هو تاريخ التحف الفنية والجمالية.
لقد تعطل التفكير الفلسفي في ماهية الفن بسبب عاملين اثنين ساهما في عدم قيام فلسفة الفن:
1- الموقف الأفلاطوني من الفنانين والشعراء.
2- الموقف الكانطي بخصوص تفوق الجمال الطبيعي على الجمال الفني.
لذلك كان يجب انتظار مجيء هيجل الذي تجاوز الطلاق الأفلاطوني بين الفلسفة والفن إذ أصبح الفن معرفة حقيقية تتضمن رسالة أو فكرة أو مبدءاً و غاية.
· فما هو العمل الفني؟ وما الذي يجعله فنيا؟
· ما علاقة الفن بالجمال؟ وما أساس الحكم الجمالي؟
· و هل للفن حقيقته وواقعه الخاص ؟ أم أن العمل الفني محاكاة للأشياء والأحاسيس والمواقف؟
مـاهــيـة الــفــن
يعتبر ميشيل هار أن التفكير في العمل الفني في ذاته والاشتغال على هذا الأثر من حيث هو كذلك، لم يبدأ إلا مع هايدغر و ميرلوبونتي الذين أعلنا عن استقلالية الأعمال الفنية وضرورة عدم اختزالها في ما تمنحه من منفعة حسية، أو الاكتفاء بالنظر إلى محتواه الفيزيائي، أو مخزونها الثقافي.
إن هذه المحاولة لم تبحث في الفن كموضوع للتفكير الميتافيزيقي المجرد، و لكنها تصورته بالأساس كنموذج للحقيقة الغامضة لوجود الإنسان وعلاقته بالعالم. وهذا ما يعني أن العمل الفني وحدة مستقلة للمعنى وللإحساس.
ينطلق هايدغر في تناوله لإشكالية العمل الفني و استبصاره لماهيته من حضور عنصر المادة داخله، فالأثر الفني هو قبل كل شيء مادة، تحمل و تنقل و تباع. يقول هايدغر: "إن الجانب الشيئي لصيق بالأثر الفني حتى إن الأثر الفني يضم فوق جانبه الشيئي جانبا آخر أيضا. هذا الآخر القائم في الأثر هو ما يشكل جانبه الفني... في الأثر يتم تأليف الشيء المصنوع مع آخر..." إذن الأثر الفني شيء مصنوع وإضافة أخرى هي التمثيل أو الرمز. وهذا ما يحددي ماهية العمل الفني.
غير أن هايدغر يمنح الشيء تعريفا خاصاً. فما هو الشيء إذن ؟ لم يكتفي هايدغر في تعريفه للشيء بما قدمته المقاربات الميتافيزيقية عندما ألحقت الشيء بالأثر دون أن تعرف ماهية هذا الشيء، ففي كتابه الدروب الموصدة يعتبر هذا الأخير أن معرفة أصل العمل الفني عملية صعبة و جد معقدة . إذ بغض النظر عن مكونات الأثر الفني التي هي أشياء يتساءل هايدغر عن من يسبق الآخر هل الأثر الفني أم الفنان ؟ فـ"من خلال العمل نعرف العامل " يقول هايدغر في أصل العمل الفني، بل إن الأثر الفني وحده من يجعل الفنان فناناً . إلا أن هايدغر سرعان ما ينتهي إلى التأكيد على أنـه إذا كان أصل العمل الفني هو الفنان ، فإن أصل الفنان هو الأثر الفني نفسه.
بعد أن يؤكد هايدغر على تعقد الظاهرة الفنية و حضور الجانب الشيئي فيه ؟ يعود هايدغر إلى التعريف بماهية الشيء؟
يقول هايدغر " الحجر المرمي على الطريق شيء القدر أو الكأس هي أشياء كذلك ؟ و عندما نضع ماءاً أو حليباً في هذه الآنية، تصبح بدورها أشياء.". من هذا المثال يستنتج أنه بإمكاننا أن ننعت السحب في السماء بالشيء و القمح في الحقل بنفس الاسم، و حتى الأوراق المتساقطة على الأرض أيام الخريف يمكن أن تعتبر أشياء. إن الشيء هو ما يلزم وجوداً ما. لذا نقول إن العمل الفني شيءً لأنه موجود. إن الشيء عند هايدغر هو كل ما يدل على الوجود و الحياة، إن الشيء يمكن أن يكون كل شيء غير العدم والإنسان، و لا يمكن أن نصف إنساناً بالشيء، فنحن غالبا ما نتردد في قول الله شيء مثلما نتردد في وصف الفلاح في حقله، و المعلم في مدرسته بالشيء.إن ما ننعته بالشيء هو كل الأشياء الموجودة في الطبيعة و التي نستعملها في حياتنا اليومية. أو نصادفها كل يوم أمامنا على صفحات الوجود.
هل يمكن أن نتفق مع هايدغر في كون العمل الفني ليس شيئاً آخر غير الأشياء التي يتكون منها؟
يرى، تلميذ هايدغر، هانز جورج غادمير أن "العمل الفني يمكن تعريفه بدقة على أساس عدم كونه شيئا قد تم إنتاجه الآن ويمكن إعادة إنتاجه مرارا وتكرارا". إن ما يميز العمل الفني هو الفرادة وعدم القابلية للتكرار. لذلك فالفن إبداع أصيل وفريد من نوعه وليس عملا. إن الفن يتميز بالخصائص التالية حسب غاديمير:
  • التجاوز: تجاوز العمليات العملية التي أنشأته.
  • التكيف: إنه إبداع متكيف بذاته.
  • أسلوب فهمه: يفرض نفسه باع_تباره تجليا خالصا يفهم في ذاته.
الحكم الجمالي
من أين يستمد الشيء الجميل قيمته؟
للإجابة على هذا التساؤل ينبغي العودة إلى الفلسفة الكانطية.
يمثل كتاب كانط "نقد الحكم الجمالي" دعامة قوية في بناء علم الجمال. وفي مستهله يقرر كانط أنه ليس من الممكن وضع قاعدة بموجبها يستطيع الإنسان أن يتعرف على جمال شيء ما، ولهذا فإن الحكم على الجمال حكم ذاتي، وهو يتغير من شخص إلى آخر ولهذا فإنه يختلف عن الحكم المنطقي القائم على التصورات العقلية. ومن هنا فالحكم ا لمتعلق بالذوق لا يمكن أن يدعي الموضوعية ولا الكلية. ورغم ذلك ، فمن الممكن أن تتصف أحكام الذوق بصفة الكلية (الكوني) لأن الشروط الذاتية لملكة الحكم واحدة عند كل الناس. لهذا عرف كانط الجمال بـأنه "قانون بدون قانون". وفي معرض حديثه عن الفن يقول كانط :"إن الفن ليس تمثيلا لشيء جميل بقدر ما هو تمثيل جميل لشيء ما".
وقد جادل كانط قائلا: "إن حكم الجمال أو الذوق ينبغي أن يكون شيئا عاما وصادقا بالضرورة بالنسبة لكل البشر، لأن الأساس الخاص به لابد أن يكون متطابقا لدى جميع البشر". لكنه أشار أيضا إلى أن المعرفة هي فقط القابلة للتوصيل، ومن ثم فإن الشيء الوحيد أو الجانب الوحيد في التجربة الذي يمكن أن نفترض أنه مشترك أو عام بين جميع البشر، هو الشكل، وليس الإحساسات بالتمثيلات العقلية. بالإضافة إلى ذلك، نظر كانط إلى "الجميل" على أنه رمز للخير، كما أنه تصور النشاط الجمالي باعتباره نوعا من اللعب الحر للخيال. وتعد المتعة الخاصة بالجميل والجليل متعة خاصة بالملكات المعرفية الخاصة بالخيال والحكم، عندما تتحرر من خضوعهما للعقل والفهم، أي تتحرر من قيود الخطاب المنطقي. إن الحكم التأملي لا يستمد - كما أشار كانط - من الخارج، لأنه حينئذ سيكون حكما محددا أو معينا أو حتميا أو طبيعيا، إنه ينتمي أكثر إلى مملكة الذات والوجدان والشعور، واليهما ينتمي كذلك الحكم الجمالي.
والفن الجميل في رأي كانط هو فن العبقرية، والعبقرية هي موهبة (أو هبة طبيعية) تمنح القاعدة (أو القانون) للفن. والموهبة ملكة فطرية خاصة بالفنان وتنتمي بذاتها إلى الطبيعة. ومن ثم فإن العبقرية هي استعداد عقلي فطري تقوم من خلالها الطبيعة بإعطاء القاعدة أو القانون للفن. ويقول كانط: "إن الجمال الطبيعي شيء جميل، في حين أن الجمال الفني تصوير جميل لشيء ما". والذوق في رأيه ليس ملكة خلق أو إبداع، بل هو ملكة حكم فقط، وان ما بلائم الذوق لا يكون بالضرورة "عملا فنيا"، وإنما قد يكون مجرد أثر صناعي، أو نتاج نفعي أو عمل آلي ميكانيكي صرف.
ويخلص كانط إلى ضرورة اتحاد الذوق والعبقرية في العمل الفني، مادام من الضروري أن يتوافر كل من "الحكم والمخيلة" في الفن. فالفنان العبقري يحتاج إلى ملكات أربع هي: المخيلة والفهم والروح والذوق.
في مقابل الطرح الكانطي، ينتصب كريستيان دولكمبان للدفاع عن أطروحة مختلفة مفادها أن العمل الفني يستمد قيمته من قدرته على توجيه النفكير الإنساني نحو شيء معين. يقول: " إن الأهمية الحقيقية للعمل الفني لا تقاس بقيمته التجارية، ولا بعدد الأقمصة أو البطائق البريدية التي تشهر، بل تقاس بقدرته على جعلنا نفكر في شيء معين، ما كان بإمكاننا أن ندركه لولا هذا العمل الفني".
الـفـن والـواقـع
هل يمثل الفن إعادة إنتاج للواقع أم تجاوزا لهذا الواقع؟
يرى أفلاطون أن الفن استنساخ للواقع ومحاكاة له. ومن هذا المنطلق فإن قيمته مبتذلة، لأنه ليس إلا تقليدا لعالم هو في حد ذاته مستنسخ. بمعنى آخر: إذا كانت المحسوسات صورا مزيفة لعالم للمثل، فإن العمل الفني تقليد لما هو مقلد أصلا. وبما أن الحقيقة السامية والمطلقة لا تتاح إلا بالارتباط بعالم المثل، فإن العمل الفني يبعد الناس عن الحقيقة. لقد كان أفلاطون يتصور أن ما يحط من قدر الفن، ويقلل من قيمة العمل الشعري، هو كونه يعتمد المحاكاة، مما يبعده كل البعد عن الحقيقة. يقول أفلاطون : "فإذا ما نزعت عن الشعر قالبه الشعري، فلا شك أنك تستطيع أن تراه على حقيقته، عندما يتحول إلى نثر". لهذا السبب طرد أفلاطون مكانا للفنانين والشعراء في مدينته. كان أفلاطون يستخدم فكرة المحاكاة كأداة، غير دقيقة، لنقد الفن وهدم أسسه، من وجهة نظر فلسفية مثالية، تتغنى بالجمال وبالجميل، ظاهريا، وتستبعده بكيفية نـهائية من الحياة الواقعية للناس، وليس كمبدأ لتفسير ظاهرة الفن وإظهار طبيعة العمل الشعري والفني .
أما أرسطو، فينطلق في تحليله ودراسته للظاهرة الشعرية والفنية، من التأكيد على أن الفعالية الشعرية والفنية، لدى المبدعين عموما، تتعلق أساسا بالمحاكاة، وتختلف الأعمال والمبدعات الفنية والشعرية، بعد ذلك، تبعا للأنحاء التي تكون بـها المحاكاة، وهي إما ترجع إلى الوسائل أو الموضوعات أو الأسلوب والشكل الفني. والمحاكاة في استعمال أرسطو، هي بالإضافة إلى كونـها مبدأ سببيا للشعر والفن، فهي أيضا، وقبل ذلك، مبدأ غريزي في الإنسان، يرتبط به تهيؤ الإنسان لتقبل المعارف الأولية، كما يرتبط به الشعور باللذة الناجمة عن حصول المعرفة والتعلم لدى الإنسان. إن مفهوم أرسطو للمحاكاة، لا يقف عند مجرد كونه أداة خارجية لمقاربة العمل الفني ونقد فعالية الإبداع الشعري والحكم عليها، انطلاقا مما هو بعيد عنها، كما فعل أفلاطون بالضبط، بل لقد أصبحت المحاكاة، هنا، مع أرسطو هي جوهر العمل الشعري والفني، الذي يتوقف على فهمها وتحديدها، فهمنا وإدراكنا للفعالية الخالقة والمبدعة، بكل عناصرها ومكوناتـها.
في المقابل يرى هيغل أن الفن يتجاوز المحاكاة ويرتفع بالكائنات الطبيعية والحسية إلى المستوى المثالي، ويكسبها طابعا كليا حين يخلصها من الجوانب العرضية والمؤقتة، فالفن يرد الواقعي إلى المثالية ويرتفع به إلى الروحانية، والفكرة إذا تشكلت تشكلا دالا على تصورها العقلي تتحول إلى مثال.
أما حسب رأي "شوبنهاور" فان كل ما يعرفه الإنسان يكمن داخل وعيه، هذا على الرغم مما قد يفترض من وجود ذات عارفة، وثوابت خالدة، خلف هذا التدفق للخبرة. فالتحليل البسيط يكشف لنا عن أن الذات هي لاشيء دون وعي، وأن المادة لاشيء دون أحداث يتلو بعضها بعضا خلال الزمن، وأن ما يجعل هذين المفهومين (الذات والمادة) يكتسبان الحياة، ويصبحان مفعمين بالمعنى هو تلك القوة الكونية التي تبث الحياة فيهما، والتي يطلق عليها "شوبنهور" اسم "الإرادة"، إنها الشيء في ذاته، إنها ليست الذات القائمة بالإدراك، ولا المادة المدركة، لكنها الشيء الذي يتجلى كل من الذات والإرادة من خلاله. والجانب الجمالي في رأيه "ظاهرة من ظواهر الذهن" تعتمد على الخصائص المميزة للفرد الذي يدركها، لكنها ظاهرة تكون لافتة في اكتمالها وتوافقها، والفن محرر أو مطهر للعقل، فهو يسمو بنا إلى لحظة تعلو على قيود الرغبة، وتتجاوز حدود الإشباع. والرغبة والإشباع من الشروط الملازمة والمألوفة في الحياة العادية. فمن خلال الفن تجد الإرادة الإنسانية، التي لا تهدأ ولا يقر لها قرار، حالة مؤقتة من الهدوء. يشير "شوبنهور" كذلك إلى أن المتلقي ينبغي له أن يصغي أولا إلى الحكمة العميقة التي تبوح له بها الأعمال الفنية، إنه ينبغي أن يستمع إلى حديث العمل الفني إليه، قبل أن يتحدث هو إليه. فالاستمتاع الجمالي إذن حالة مشاركة، أو تعاون بين العمل الفني والمتلقي. هذا هو الشرط الأساسي لحدوث الأثر الجمالي، ومن ثم هو أيضا القانون الجوهري فيما يتعلق بالاستمتاع بكل الفنون الجميلة. أفضل ما في الفنون. تلك الجوانب فائقة الروحانية فيها، وبحيث إنها تمنح نفسها للحواس على نحو مباشر، إنها يجب أن تولد أو تحدث في خيال المتلقي، ورغم كونها تولد أو تنتج أولا من خلال العمل ال

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More